جريدة الإتحاد - 6/3/2026 11:37:26 PM - GMT (+4 )
يُستقبل كل اتفاق جديد لوقف إطلاق النار في لبنان بتفاؤل غامض، وكأنه يُبشر بنهاية الصراع، لكنه في حقيقته مجرد تذكرة دخول إلى حرب أخرى. وهكذا كان الأمر في صباح 16 أبريل الماضي، عندما أُعلن عن اتفاق جديد لوقف إطلاق النار في لبنان، حيث سادت لحظات من الأمل في الوصول إلى سلام دائم، وفي أن يعود أبنائي إلى ديارهم يوماً ما. لكن تجربة اللبنانيين الطويلة مع الحروب والهدن المؤقتة تجعل من الصعب تجاهل حقيقة مؤلمة: غالباً ما تتحوّل اتفاقات وقف إطلاق النار في لبنان من وعود بالسلام إلى مجرد استراحة قصيرة تسبق جولةً جديدة من القتال.
ومنذ استقلاله في عام 1943، كان لبنان طرفاً في سبع اتفاقيات لوقف إطلاق النار على الأقل، بوساطة دولية. وقد عاصرنا عدة صراعات مسلحة مثل الحرب الأهلية الطويلة بين عامي 1975 و1990، وجولات القتال بين إسرائيل و«حزب الله» في أعوام 1993 و1996 و2006 و2024.
هذه الحروب، التي تخللتها أزمات سياسية ومالية داخلية، ألحقت أضراراً جسدية ونفسية جسيمة بالشعب اللبناني، وأدت إلى موجات نزوح وهجرة. واستمرت اتفاقيات وقف إطلاق النار أياماً وشهوراً، وفي بعض الأحيان سنوات. ولكن دائماً ما نجد أنفسنا في حالة حرب من جديد، ونتحدث عن وقف إطلاق النار من جديد. ولا يُعد وقف إطلاق النار في لبنان حرباً ولا سلاماً، فهو اتفاق موقع على ورق دون تنفيذ فعلي، ويغطي مناطق محددة. ومن الجانب اللبناني، غالباً ما تكون الأطراف الموقعة ليست هي الأطراف التي أشعلت فتيل العنف. وتلتزم الدولة بالاتفاقيات نيابةً عن طرف لا تستطيع إجباره أو السيطرة عليه. لذا يصبح وقف إطلاق النار في لبنان بمثابة وثيقة بشأن وقف العنف، تحفظ جميع الآليات الداخلية التي أدت إليه فقط.
ويُعد اتفاق أبريل الماضي مثالاً واضحاً على ذلك. فقد أطلق «حزب الله» صواريخ على إسرائيل بهدف الانتقام منها لاغتيالها المرشد الإيراني علي خامنئي خلال الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، الداعم الرئيسي للحزب. وردت إسرائيل بكل قوتها، وقصفت أهدافاً متعددة في بيروت، وسوت عدة قرى جنوب لبنان بالأرض ثم احتلتها، وقتلت مئات اللبنانيين. لكن الجمهورية اللبنانية هي التي وقّعت على وقف إطلاق النار بوساطة الجانب الأميركي، الذي طالب لبنان باتخاذ «خطوات فعالة لمنع حزب الله» من مهاجمة إسرائيل.
وكانت الحكومة اللبنانية قد تعهّدت بنفس الشيء عام 2006، وكررت تعهدها عام 2024، رغم ضعف قدرة الجيش اللبناني على مواجهة الحزب المسلح.وبالطبع، فإن وقف إطلاق النار الفارغ ليس حكراً على لبنان. فقد أظهرت الهدنات قصيرة الأجل في الحرب الروسية الأوكرانية، والهدنات التي غالباً ما تُنتهك في حرب غزة، والحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران.. كيف تُفرغ وقفات إطلاق النار من معناها. ويرى غوبي كريشنا بهاميديباتي، الخبير بمعهد نيو لاينز للاستراتيجية والسياسة في واشنطن، أن سياسة الرئيس دونالد ترامب في ولايته الثانية جعلت من وقف إطلاق النار أداة لإدارة الأزمات، لا لحل النزاعات. لكن المشكلة تعود إلى ما قبل ولاية ترامب الثانية، فقد تم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، والذي نص أيضاً على وقف إسرائيل عملياتها الهجومية على الأراضي اللبنانية، واحتفاظ الجيش اللبناني بالسيطرة الكاملة على الأسلحة داخل البلاد، وذلك بفضل مفاوضات دبلوماسيين مخضرمين عملوا في عهد الرئيس بايدن.
واستمرت الهدنة رسمياً لمدة 15 شهراً، وثّقت خلالها الأمم المتحدة أكثر من 7500 انتهاك إسرائيلي للمجال الجوي اللبناني، ونحو 2500 انتهاك بري، ومقتل ما لا يقل عن 197 مدنياً. كما تعرّض قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي وُقع لإنهاء حرب 33 يوماً بين «حزب الله» وإسرائيل عام 2006، برعاية الرئيس جورج دبليو بوش، لانتهاكات متكررة طوال عقدين. وعندما أُعلن عن أحدث اتفاق لوقف إطلاق النار، كان الاعتقاد بأن الأمور ستكون مختلفة.
فالحكومة اللبنانية، التي طالما كانت مجرد «شاهد» في وقفات إطلاق النار السابقة، بدأت أخيراً بالتحرك نيابةً عن نفسها. ولم يعُد «حزب الله»، المنظمة الطائفية المسلحة والسياسية ذات النفوذ في لبنان، يتحدث باسم اللبنانيين. وأصبح هناك قادة جدد يتمتعون بالكفاءة والشباب والخبرة التقنية. وبدأت الدولة اللبنانية، التي لا تزال تقنياً في حالة حرب مع إسرائيل منذ توقيع الهدنة عام 1949، تتحدث علناً عن السلام، وهو موضوع كان من المحرمات إلى وقت قريب، وبدا كما لو أنها أخيراً أصبحت جزءاً من عملية صنع القرار. وفي صباح 16 أبريل، ولد أمل جديد بالعيش أخيراً في ظل دولة لبنانية ذات سيادة، قادرة على توفير السلام والأمن، وربما الازدهار مستقبلاً لجميع مواطنيها، وهو أمر عجزت عنه معظم الحكومات السابقة.
وقد تخيلتُ أن أبنائي الثلاثة، الذين يدرسون ويعملون في ثلاث دول مختلفة، سيجدون قريباً الاستقرارَ الذي يسمح لهم ببناء مسارات مهنية وحياة كريمة في لبنان. فقد تعرضت طفولتُهم لاضطرابات مستمرة بسبب الانفجارات العشوائية والاغتيالات السياسية وإغلاق الطرق والمدارس، تماماً كما حدث معي في طفولتي. وخلال ساعات من الإعلان، اكتظت الطرق المؤدية إلى الجنوب، الذي تحمّل العبءَ الأكبر من الهجمات الإسرائيلية.
وكان مئات الآلاف من السكان، الذين أمضوا أسابيع يعيشون في الشوارع تحت المطر والبرد القارس، يتشاركون نفس الأمل ويعودون إلى قراهم، وبعضهم لم يجد سوى بقايا منازل مدمَّرة بعد الجولة الأخيرة من القتال. لكن القتال استؤنف بالفعل بعد أيام قليلة، حيث قُتل مزيد من الأشخاص جراء الغارات الإسرائيلية، ومن بينهم مسعفون وصحفي، كما استمر تدمير القرى اللبنانية بلا توقف، مع دوي الطائرات المسيّرة فوق بيروت بلا انقطاع. وقد أقرّ كل من إسرائيل و«حزب الله» علناً بمواصلة عملياتهما عبر الحدود اللبنانية وداخلها. وقد فقدَ وقفُ إطلاق النار معناه مرةً أخرى. وحتى بعد التوصل مؤخراً إلى اتفاق لتمديد وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام، تستمر الهجمات بل وتشتد أيضاً. نحن اللبنانيون بارعون في التمسك بالأمل، لكننا بارعون أيضاً في الإنكار.
فنحن لا نتخلى عن مسؤولياتنا عندما يغادر أبناؤنا البلاد، لأننا نظل نأمل في عودتهم، بغض النظر عن استمرار العنف والاضطراب خلال السنوات الأخيرة. أتمنى أن يكون الوضع مختلفاً. بعد أن عشت حياتي كلها في ظل الحرب، أتردد في تصديق إمكانية حدوث التغيير، لكنني بحاجة إليه. إن وقف إطلاق النار في لبنان، والذي ينهي الحاجة إلى وقف إطلاق نار مستقبلي، يجب أن يتحقق على مستويين: سيتعين علينا توقيع معاهدة سلام مع جيراننا، وأخرى مع أنفسنا. كما سيتعين علينا الاتفاق على أن الوطن أكبر من أيٍّ منا: وأننا أوصياء عليه، لا مالكوه. ولا يمكن للشعب اللبناني أن يعفي نفسَه من المسؤولية عن فشل اتفاقات وقف إطلاق النار. فقد جعلت سنوات من الصراع كل فئة تتمسك برؤيتها الخاصة للوطن، فيما تجاهلنا أن انقساماتنا الداخلية كانت سبباً رئيسياً في إضعاف الدولة، شأنها شأن الضغوط الخارجية. ومع كل انتكاسة جديدة، واصلنا التأقلمَ مع التدهور والتغيير السلبي كأنه قدر محتوم، حتى أثقلت الصدماتُ والانقساماتُ كاهلَنا. وبالطبع، أرغب في واقع مختلف، فبعد حياة كاملة عشتها والحرب دائماً في الخلفية، يصعب تصديق أن التغيير ممكن. لكن هناك حاجة إلى الإيمان بذلك. فوقف إطلاق النار في لبنان الذي ينهي الحاجة إلى اتفاقات وقف إطلاق نار مستقبلية يجب أن يتحقق على مستويين. وينبغي التوقيع على معاهدة سلام مع جيراننا، إلى جانب التوقيع على معاهدة سلام أخرى مع أنفسنا. وينبغي الاتفاق على أن الوطن أكبر من الجميع، وأننا مؤتمنون على حمايته، ولسنا مالكين له بشكل شخصي.
*كاتبة لبنانية ومؤلفة رواية «طيور في المطر» التي تدور أحداثها خلال حرب 2006 .
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
إقرأ المزيد


