الشعبوية تُهدد بتفاقم الأزمة المالية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تشير الاضطرابات الأخيرة في أسواق السندات إلى أن المستثمرين ليسوا بمنأى عن المخاوف بشأن الديون والتضخم، إلا أنهم لا يُولون اهتماماً كافياً لاحتمالية التخلف الصريح عن سداد الدين العام.
وفي ظلِّ الخلل الوظيفي السائد حالياً في واشنطن، يصعب تصوُّر أن يمارس الكونغرس أي سيطرة مالية، وأن التخلف عن السداد من خلال التضخم أصبح في الواقع أكثر ترجيحاً. لكن ماذا عن التخلف الصريح عن السداد؟ يرى المستثمرون أن الدَّين الحكومي الأميركي لا يزال بمنأى عن هذا الخطر تماماً، ففقدان القيمة بسبب التضخم أمر وارد، وليس نادرَ الحدوث. لكن رفض دفع 100 سنت على الدولار، أمر غير وارد، ولا يُمكن تصوّره. غير أنه ليس أكثر استحالة من عودة الرسوم الجمركية الحمائية على غرار قانون سموت-هاولي، أو من تفكيك الاقتصاد العالمي عمداً. وليس أكثر غرابةً من تسوية قضائية بقيمة 1.776 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب في دعوى رفعها رئيس الولايات المتحدة ضد إدارته نفسها. وليس أكثر استبعاداً من انهيار الحزبين الرئيسيين في بريطانيا أو احتمال تولي نايجل فاراج منصب رئيس الوزراء. كما أنه ليس أكثر غرابة من تصاعد الشَّعبوية في أنحاء الاتحاد الأوروبي، أو استمرار الحرب بين روسيا وأوكرانيا بلا نهاية واضحة، أو فرض إيران رسوم عبور بالقوة المسلحة في مضيق هرمز، أو حتى تفكك حلف شمال الأطلسي «الناتو».
 لم تُعر الشّعبوية، سواء اليمين أو اليسار، اهتماماً لمسألة الدَّين الحكومي. كما أن سياسات ما بعد الليبرالية الجديدة لم تهتم بالانضباط المالي، مما أدى إلى الارتفاع الجامح في مستوى الدين العام العالمي، مع تصدُّر الولايات المتحدة. لكن لا مفرّ من ذلك، حيث سيتجاوز المعروض من الديون في نهاية المطاف رغبة المستثمرين، وبالتالي ستنخفض الأسعار وترتفع العوائد. وستؤثّر أسعار الفائدة المرتفعة على الأُسر العاملة من خلال تكلفة الائتمان والرهون العقارية، وسيرى السياسيون الشّعبويون أن ذلك غير عادل.
وقد تأثّر سوق السندات البريطانية بشدة بعد أنباء ترشُّح آندي بورنهام لمنافسة رئيس الوزراء كير ستارمر على زعامة حزب العمال. وكانت تصريحات بورنهام العام الماضي بأن الحكومة لا ينبغي أن تكون «مدينة» لحاملي السندات، قد عادت للظهور مؤخراً، لتثير قلقَ المستثمرين وتساؤلَهم عمن الذي وضع حاملي السندات في موقع المسؤولية عن السياسة الاقتصادية؟
وغالباً ما يكون لازدراء المستثمرين الذين يتوقعون عائداً على استثماراتهم نتائج عكسية، وقد عانت رئيسة الوزراء السابقة ليز تروس من الأمر بشكل أكثر قسوةً في عام 2022. لكن استيعاب الدرس لا يحل المشكلة. فإذا استمر الدَّين في النمو بشكل غير مستدام، فسيتعين على الحكومات عاجلاً أم آجلاً رفع الضرائب، أو خفض الإنفاق العام، أو إجراء نوع من «إعادة هيكلة» الديون. بما يطرح سؤالاً آخر حول مدى قدرة السياسات الشّعبوية الحالية على تجنُّب الخيار الثالث من خلال القيام بما يكفي من الخيارين الأولين.
ويبدو ذلك مُستَبعداً. فاليمين الشّعبوي يسعى لخفض الضرائب، ورغم حرصه على مكافحة «التحايل» على برامج الرعاية الاجتماعية، إلا أنه يرفض إجراء تقليص لأكبر وأهم المزايا الاجتماعية. أما اليسار الشّعبوي فيريد زيادةَ تلك المزايا بشكل هائل، مع تمويل ذلك وغيره من خلال رفع الضرائب على الأثرياء فقط. ويفتقر كلا النهجين لفرص النجاح، مما يتيح خيارَ «إعادة الهيكلة» من خلال التضخم أو وسائل أخرى، ويعيد التساؤل بشأن تحقيق العدالة.
وفي الفكر الشّعبوي، يُعتبر مستثمرو السندات بعيدين كل البُعد عن الأسر العاملة. فبعضهم أثرياء ويمكن وصفهم بالمستغلين الرأسماليين، لكن أغلبهم متقاعدون ينفقون مدّخراتهم، أي أنهم من جيل طُفيلي استنزف موارد الأجيال الشابة. وكثير منهم أجانب، لا يحق لهم إبداء آرائهم في مسائل السياسة الداخلية. ومن العدل أن يتحمل هؤلاء المستغلون والمتحايلون والدخلاء نصيبهم من العبء!
وتتمثل إحدى الطرق التقليدية لإعادة هيكلة الديون في تقليص قيمتها الحقيقية عبر التضخم. وفي الولايات المتحدة، عزّزت التحديات التي تواجه استقلالية البنك المركزي من احتمال اللجوء إلى هذا الخيار. لكن الاحتياطي الفيدرالي لا يزال مُصمّماً على الالتزام بمهمته المزدوجة المتمثلة في الحفاظ على استقرار الأسعار وتحقيق أقصى قدر ممكن من التوظيف. ويواجه رئيسه الجديد، كيفن وورش، مهمةً صعبةً تتمثل في الحفاظ على علاقة جيدة مع البيت الأبيض، الذي يواصل الضغط لتخفيض أسعار الفائدة، مع حماية سمعته كمصرفي جاد بالبنك المركزي، وقد تكون أهمية سمعته أكبر الآن بعد توليه المنصب.
وإضافة إلى ذلك، فإن الإفراط في استخدام التضخم كحلٍّ له عواقبٌ سياسية وخيمة. فالمواطنون الأميركيون لا يتقبّلون التضخم، ويتجاهل السياسيون الشّعبويون تأثيرَه على القدرة الشرائية للمستهلكين.
 وتتنوع خيارات إعادة هيكلة الديون الأخرى كثيراً، مثل ما يُعرف بـ«القمع المالي»، الذي يشمل تدابير مثل تحديد سقف لأسعار الفائدة، وتوجيه الائتمان، وفرض قيود على رأس المال، وذلك بهدف توجيه تدفقات التمويل نحو الحكومة بأسعار فائدة أقل من أسعار السوق. ويمكن اعتبار أن التيسير الكمّي ضِمن الخيارات المتاحة، عندما يُستخدم كسياسة مالية لخفض تكلفة اقتراض الحكومة، وليس كسياسة نقدية لتحفيز الطلب عندما يتعذر خفض أسعار الفائدة. وتُعتبر جميع تلك التدابير بمثابة ضرائب على المدخرين، إذ تُوفر راحة قصيرة الأجل على حساب النمو طويل الأجل.
ويبقى الخيار الأخير، إذا اندلعت أزمة ديون فعلية، وهو التخلف الصريح عن السداد. ففي هذا السيناريو الأسوأ، سنجد اقتصاديين يطالبون باقتطاعات على قيمة السندات، لأن البديل قد يكون تقشُّفاً مالياً مؤلماً. بل قد تصل الأمور إلى مرحلة لا يمكن فيها لتشديد السياسة المالية أن يحتوي المشكلة، إذ قد ينكمش الاقتصاد بوتيرة تجعل زيادة الضرائب وخفض الإنفاق غير كافيين لتعويض تراجع القدرة على سداد الدين.
ولا يكمن خطر تجاهل هذا الاحتمال في تجاوز الولايات المتحدة مستوى معيناً لنسبة الدَّين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، والعواقب الوخيمة الناجمة عن ذلك، بل في أن المستثمرين سيأخذون في النهاية روايات الضغوط المالية وتداعياتها على محمل الجد. وعندها، سترتفع أسعار الفائدة طويلة الأجل، مما يجعل تلك الروايات أكثر مصداقية، ويرفع أسعار الفائدة وهكذا دواليك، في عملية انهيار المالي كلاسيكية تدريجية ثم تقع بشكل مفاجئ.ولا يكترث الشّعبويون اليوم حيال ذلك. وكلما طال أمد تأجيل المواجهة، ازدادت صعوبة كبح هذا التحول بمجرد بدايته، إذ يعتبر رفض التفكير في ما «لا يُمكن تصوره» هو أقصر طريقة لتحققه على أرض الواقع.

 


*كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية


ينشر بترتيب مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

 



إقرأ المزيد