جريدة الإتحاد - 7/22/2026 9:55:21 PM - GMT (+4 )
في أوقات الاستقرار قد تبدو العلاقات بين الدول أمراً مسلّماً به، لكن الأزمات وحدها تكشف القيمة الحقيقية للشركاء. ومع تسارُع التطورات التي تشهدها المنطقة، عاد الحديث عن أهمية التنسيق الخليجي، وبرزت مجدّداً حقيقة أثبتتها التجارب مراراً: أن أمن الخليج لا يمكن أن يكون مجزّأً، وأن استقرار أي دولة فيه ينعكس مباشرة على استقرار بقية دوله.
وإذا كانت التقارير المتداولة عن تكثيف الاتصالات بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة بشأن التطورات الإقليمية صحيحة، فإن الأهم ليس التعامل معها باعتبارها تحوّلاً مفاجئاً، بل باعتبارها امتداداً طبيعياً لعلاقة استراتيجية راسخة، تفرضها الجغرافيا، وتؤكِّدها وحدة المصير، وتُعزِّزها طبيعة المخاطر المشتركة.
فهذه العلاقة لم يؤسِّسها ظرف عابر، ولم تُبنَ على ملف سياسي واحد، وإنما وضع دعائمها مؤسِّسو الدولتين، الذين أدركوا منذ البدايات أن الروابط بين الشعبين، وتشابك المصالح، ووحدة الأمن، أقوى من أي تباينٍ مرحليٍّ في وجهات النظر.
وكان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، قد وضع نهجاً واضحاً يقوم على التسامح والتكاتف والوحدة، وآمن بأن قوة الخليج في تماسك دوله، وأن التعاون بينها ليس خياراً مؤقّتاً، بل ضرورة لحماية شعوبها وصيانة مكتسباتها. وكان، إلى جانب إخوانه قادة دول الخليج، من مؤسِّسي مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي جاء تعبيراً عملياً عن قناعة راسخة بأن دول المنطقة أقدر على مواجهة التحديات عندما تقف معاً.
ولعل المثل الشعبي الإماراتي: «ما يحكُّ ظهيري غير ظفيري» يختصر هذه الحقيقة بأبلغ عبارة، فمهما اتّسعت شبكة العلاقات الدولية وتعدّدت التحالفات، يبقى الشقيق هو الأقرب فهماً لطبيعة المخاطر، والأسرع وقوفاً إلى جانب شقيقه عند الشدائد. وهذا لا يعني الانغلاق عن العالم، بل يعني أن البيت الخليجي يجب أن يكون متماسكاً قبل أن يطلب الدعم من الآخرين.
وما تشهده المنطقة اليوم من تصاعد في التهديدات، سواء تجاه الممرات البحرية أو الموانئ أو المنشآت الحيوية، أعاد التأكيد على حقيقة يعرفها الجميع: أن أمن أي دولة خليجية لا يمكن عزله عن أمن جيرانها. فعندما تتعرض المملكة العربية السعودية لتهديد يستهدف موانئها أو بنيتها التحتية، فإن الرسالة لا تتوقف عند حدودها، بل تمسُّ أمن الخليج بأكمله، كما أن أي تهديد يستهدف الإمارات أو غيرها من دول المجلس يحمل الأثر نفسه.
ولم يكن هذا النّهج مجرد شعارات، فقد أثبتت الإمارات والمملكة العربية السعودية خلال العقود الماضية أن الاختلاف في بعض الملفات لم يمنع استمرار التنسيق في القضايا التي تَمسُّ أمن الخليج واستقراره. فالعلاقات الاستراتيجية لا تُقاس بغياب الاختلاف، وإنما بقدرة الدول على إدارة تبايناتها بما يحفظ الثوابت التي تجمعها ويمنع المساس بالمصالح العليا للمنطقة.
ولهذا فإن أمن الخليج لا يقوم على موازين القوة العسكرية وحدها، بل على الثقة السياسية بين دوله، فالجيوش تستطيع حماية الحدود، لكن التنسيق بين القيادات هو الذي يحمي المنظومة بأكملها، ويمنحها القدرة على مواجهة التحديات بقرار موحّد ورؤية مشتركة.
لذلك، فإن ما يهمُّ اليوم ليس مَن احتاج إلى مَن. ما يهم هو أمن المنطقة، وحماية دولها وشعوبها، وإغلاق أي نافذة يمكن أن تنفذ منها الأطراف الساعية إلى زعزعة استقرار الخليج.
إنّ ما يجمع الإمارات والسعودية، ومعهما دول مجلس التعاون، أكبر من أي تباين عابر. وقد آن الأوان لاستحضار حكمة المؤسِّسين، ليس فقط بالمحافظة على روح الأخوّة، بل ببناء آليات تنسيق دائمة في القضايا الأمنية والاستراتيجية، بحيث يصبح التعاون نهجاً مؤسِّسياً لا يقتصر على أوقات الأزمات. فالأمن الخليجي ليس مسؤولية دولة بعينها، بل مسؤولية جماعية، ووحدة الصف ليست شعاراً عاطفياً، وإنما خط الدفاع الأول عن استقرار المنطقة ومستقبل شعوبها.
*لواء ركن طيار متقاعد
إقرأ المزيد


