جريدة الإتحاد - 7/25/2026 11:14:29 PM - GMT (+4 )
ساعد الدكتور جون إسبوسيتو الملايين على فهم الإسلام وتقديره. وقد رحل الدكتور جون إسبوسيتو، العالِم البارز في الدراسات الإسلامية في الولايات المتحدة، في 15 يوليو الجاري. وعندما علم ابني الأكبر بوفاة إسبوسيتو، كانت ردة فعله الفورية: «يا إلهي! لقد كان شخصية عظيمة. لقد تعرفتُ على الإسلام لأول مرة من خلال قراءة كتبه التي كُلفتُ بها كطالب. لقد جعلها مفهومة للغاية». كان رد فعل أحد أحفادي مشابهاً إلى حدٍّ كبير. ما أثار دهشتي ليس فقط الأثر الذي تركه جون على جيلين من أبنائي، بل القصة الأوسع التي عكستها ردود أفعالهم.
وعلى مدى عقود، ومن خلال الدروس التي درسها، والكتب التي ألّفها، والمحاضرات التي ألقاها، والمؤسّسات التي أنشأها، قام جون بتثقيف ملايين الأميركيين حول حقائق وتعقيدات الشرق الأوسط والعالم الإسلامي الأوسع. ورغم استثمار الولايات المتحدة طويل الأمد في تلك المنطقة، إلا أن الأميركيين لم يعرفوا إلا القليل عن أكثر من مليار نسمة يقطنون تلك المساحة الشاسعة الممتدة من شمال أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا، وعن ملايين المهاجرين من هذه المناطق وأحفادهم الذين أصبحوا أميركيين.
وفي كثير من الأحيان، كانت معرفتنا بتلك الدول وشعوبها مبنية على خرافات وصور نمطية سلبية. وظل هذا الحال لفترة طويلة، إلا أنه بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، أدّت الدعاية المعادية للعرب والمسلمين إلى ظهور صناعة كراهية عملت جاهدة على استغلال الصور النمطية لتوليد التعصب والانقسام. وقد خلّف ذلك خسائر فادحة، فقد انتشر العنف والتهديد وممارسات التمييز في العمل والسكن والأماكن العامة. وقد دعتني لجنة الحقوق المدنية الأميركية للإدلاء بشهادتي حول تلك التداعيات. وفي شهادتي، وثّقت مئات الأمثلة المرعبة، التي شملت تهديدات بالقتل لي ولعائلتي، والتي وقعت في الأسابيع القليلة الأولى التي تلت أحداث 11 سبتمبر.
وفي خِضمِّ هذا الانقسام المؤلم، ظهر جون بوصفه معلّماً وصوتاً هادئاً وشخصاً يسعى إلى رأب الصدع. وبفضل محاضراته التي لم يكلّ عن تقديمها، والمؤسّسات التي أسّسها، وكتاباته الغزيرة، ترك إرثاً أدبياً واسعاً وأقام مراكز تعليمية ساعدت على استبدال الجهل والتحيز والكراهية بالفهم والمعرفة.وكنت أنا وإسبوسيتو زميلين في جامعة تمبل، حيث حصلنا على شهادتي الدكتوراه تحت إشراف العالم الإسلامي إسماعيل الفاروقي. بعد مقتل إسماعيل وزوجته لمياء بوحشية في منزلهما عام 1986، طُلب مني أنا وإسبوسيتو، وزميل آخر هو أنيس أحمد، إلقاء كلمات تأبين في حفل التأبين الذي أقيم في واشنطن. وكان اختيارنا نحن الثلاثة مثيراً للاهتمام نظراً لاختلاف مساراتنا المهنية منذ أيامنا في جامعة تمبل. كان أنيس إدارياً بارزاً في الجامعة الإسلامية في باكستان، وكان إسبوسيتو يُدرّس الدِّين في كلية الصليب المقدس في ماساتشوستس، وكنتُ أدير المعهد العربي الأميركي في واشنطن، مُدافعاً عن المصالح السياسية للعرب الأميركيين. وكنا تلاميذ إسماعيل، وسلكنا مسارات عكست جوانب مختلفة من مسيرته. فقد كان إسماعيل إدارياً وأكاديمياً وناشطاً سياسياً.وعلى مدى الـ 40 عاماً الماضية، تفرّعت مسيراتنا المهنية الثلاثة إلى أماكن مختلفة، لكن لم يبلغ أي منا ما بلغه جون في مساره الذي اختاره، ولم يُنجز أي منا ما أنجزه. فقد أصبح أستاذاً متفرّغاً في جامعة جورجتاون، وأسس مركزها للتفاهم الإسلامي المسيحي، ومبادرة الجسر لحماية التعددية وإنهاء الإسلاموفوبيا. وألف 55 كتابًا عن الإسلام والمجتمعات الإسلامية حول العالم، كما أشرف على تحرير عدة مشاريع لجامعة أكسفورد.
وكانت هناك أوقات تحدّثت فيها مع إسبوسيتو عن الأبواب التي فتحها لنا إسماعيل في بداية مسيرتنا. وكنا نتذكّر أنه حتى بعد سنوات من مقتله، عندما كان يُقدَّم أحدنا قبل إلقاء محاضرة، وعندما يصل المتحدث في سيرتنا الذاتية إلى عبارة «حصل على درجة الدكتوراه من جامعة تمبل، حيث درس على يد إسماعيل الفاروقي»، كان الحضور يبدون تأييداً واستحساناً. وكثيراً ما كان يأتي إلينا بعضهم بعد المحاضرات، ليس لطرح سؤال عما قلناه، بل للإشادة بدور إسماعيل في حياتهم.لهذا السبب كان من المهم للغاية سماع ردود فعل ابني وحفيدي. فقد كانت بمثابة تذكير بكيفية إثراء عمل جون وإثراء فهم جيلين. وكما هو حال المعلم الذي اجتمعنا به، سيبقى إرث إسبوسيتو من الكتب التي ألفها والمحاضرات التي ألقاها والمؤسسات التي أنشأها، حيًا ليواصل التأثير في حياة الناس في جميع أنحاء العالم.
*رئيس المعهد العربي الأميركي
إقرأ المزيد


