عودة المسيحيين النَّازحين.. قضية وطن
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تداولت مؤخراً دعوة المسيحيين العراقيين النازحين عن ديارهم بالعودة، إثر نزوحهم بسبب احتلال «داعش» في 2014 للموصل، وتطبيق ما اشتهر ب «شروط أهل الذِّمة» عليهم.

لا نشك في صدق هذه دعوة، ولكن ما هي الأسس التي تقوم عليها، والواقع الجديد الذي يطمئن المسيحيين في العودة، ومنهم من نزح إلى دول حصلوا فيها حقوق مواطني تلك الدول، مثل غيرهم من اللاجئين، وما بقي منهم ظل مرابطاً بدول الجوار، مَن بالفعل ينتظر العودة، وخصوصاً إلى الموصل، وهي المحافظة المختلطة الأديان والمذاهب والقوميات والعقائد، والأكثر تضرراً، ناهيك عن الذين نزحوا إلى إقليم كردستان، واحتفاظاً بالإرث السكاني ظهر قرار منع بيع وشراء العقارات المسيحية.

عبّرت سيدة مسيحية عن هذا القلق، عندما سئلت عن تلك الدعوة، قالت: أنها تكافح لسنوات لاسترجاع دارها، التي تهيمن عليها مجموعة سياسية بالقوة، وماذا عن القصبات المسيحية التي ادخل إليها مهاجرين من مناطق أخرى، وتملكوا الأرض بالإغراء. قبل أحداث الموصل أخذ العراق يخسر أبناءه من المسيحيين وغيرهم من الأديان والعقائد.

لكن جاءت الكارثة لتجعل النزوح جماعياً، فخُتمت أبواب الكنائس، وأُفرغت بلدات عُرفت منذ قرون بأجراسها ولغتها السريانية.

لم يكن المسيحيون في العراق جالية وافدة، بل إنهم من أقدم سكان البلاد، سبق وجودهم قيام الدول الحديثة، وتعاقبت عليهم الدول والإمبراطوريات، من الساسانيين إلى العباسيين والعثمانيين، ويذكر مؤرخو الدَّيَّارات، عندما يتحدثون عن قرى العراق، كثرة الأديرة والرهبان فيها، حتى أصبحت الأديرة معالم جغرافية وأدبية في آن واحد، وهذا ما أكثر من ذكره المؤرخ الشابشتي في كتابه «الدَّيَّارات»، صاحب «معجم البلدان» ياقوت الحموي، وأبو فرج الأصفهاني في كتابه الخاص بالأديرة. كان المؤرّخون ينظرون إلى هذا الوجود بوصفه جزءاً من عمران العراق، ففي كتاب الخراج لأبي يوسف إشاراتٌ إلى أهل الذمة وأموالهم وحقوقهم، بينما يروي مؤرخون آخرون أخبار الأطباء والمترجمين المسيحيين، الذين خدموا الدولة العباسية، وأسهموا في نهضتها العلمية، فصاروا شركاء في صناعة الحضارة الإسلامية نفسها. تبدأ الضمانات بحصر السلاح بيد الدولة، وحماية الملكيات من التجاوز، وتعويض المتضررين، وإيجاد فرص عمل حقيقية للشباب.

فالمسيحي، مثل غيره من العراقيين، لا يبحث عن امتياز خاص، بل عن دولة يشعر فيها أن القانون يحميه، وأن مستقبله لا يتوقف على تبدل موازين القوى، تتحول إلى مشروع وطني متكامل، فلا استقرار للأكثرية بإقصاء الأقلية، هذا لا يشمل العراق فحسب، بل البلدان التي تأثرت بالحوادث الجسام، وتخلخل نسيجها الاجتماعي، بسبب دورات العنف العقائديِّ. «إن القيادة العثمانية نفت إبان الحرب العظمى الماضية (الأولى) نفراً من وجهاء بغداد من مختلف الطَّوائف والمذاهب وأشخصتهم إلى الموصل في طريقهم إلى الأناضول، فذهب الفقيد إلى القائد الألماني فون درغواز باشا يشفع فيهم.

فأبدى المشير استعداده للعفو عن المسيحيين منهم فقط. فقال الحَبر: إنني رجل دين، أب للجميع، ولا أخص ملتمّسي بفريق دون فريق، فأعدهم جميعاً أو فاجلهم جميعاً، ولم يكن مِن القائد إلا أن أجاب سؤله، وأمر بإعادة المنفيين جميعاً». علّق مؤرّخ الرواية مير بصري على هذا التَّصرف، قائلاً: «وإن في هذه المأثرة لعبرة لنا ودرساً، فهي تُعلمنا أن الإنسانية فوق الطَّوائف والأديان» (أعلام السياسة في العراق الحديث). بهذه الروحية تعامل رؤساء المسيحيين مع مواطنيهما، حتى قبل أن تُعلن الدولة العراقية الحديثة.

وربما ليس شعراً ولا حلم شاعر، فقد عبّر عن واقع كان معاشاً في العراق، ما قيل في تكريم الأب أنستاس الكرملي ببغداد (1929): «عشنا وعاشت في الدهور بلادنا/جوامعنا في جنبهنَّ الكنائس/ وسيبقى يعيش الشعب في وحدة له/ عمائمنا في جنبهنَّ القلانس» (بطاقة دعوة الحفل). لكن كيف ارتد الزَّمن، وصار المسيحي يبحث عن ضمانة العيش، ويجري لإعادة داره المغتصبة من قبل شركائه في الوطن؟!

*كاتب عراقي



إقرأ المزيد