جريدة الإتحاد - 7/28/2026 11:18:26 PM - GMT (+4 )
ليست الوثائق الكبرى بنت لحظة انعقادها، وإنما بنت قدرتها على إعادة تشكيل المفاهيم التي تحكم حركة المجتمعات. ومن هذا المنطلق، فإن وثيقة مراكش، بعد مرور عشر سنوات على صدورها، لا تُقرأ بوصفها إعلاناً للدفاع عن الأقليات الدينية، وإنما باعتبارها اجتهاداً أعاد ترتيب العلاقة بين الدين والدولة، بين الانتماء العقدي والانتماء الوطني، وبين الثابت الشرعي والمتغير السياسي.
لقد شاع عند الحديث عن الوثيقة اختزالها في عنوان «حقوق الأقليات»، بينما كانت غايتها أبعد من ذلك. فهي لم تنطلق من تصور يقوم على وجود أكثرية تمنح الحقوق لأقلية، وإنما من أصل أعمق، مؤداه أن الحقوق لا تُستمد من ميزان العدد، ولا من رابطة الدين، وإنما من العقد الجامع الذي تنتظم به الدولة ويستوي تحت مظلته جميع مواطنيها.
ولم يكن هذا الاجتهاد معزولاً عن سياقه. فقد جاءت الوثيقة في لحظة كانت فيها جماعات العنف تعبث بمفهوم الشريعة، وتستدعي من التراث ما يخدم مشروعَها، بعد أن جرّدت النصوصَ من شروطها، وعزلت الأحكام عن عللها، وألغت الفارقَ بين الوقائع التي نشأت في ظلّها تلك الأحكام، وبين واقع الدولة الوطنية الحديثة بما استقر فيها من عقود دستورية، ونظم سياسية، وعلاقات دولية. وهكذا تحوّل الخلل من مجرد انحراف في السلوك إلى اضطراب في منهج الاستدلال نفسه.
ومن هنا جاءت وثيقة مراكش لتعيد المسألة إلى أصلها، فالشريعة لم تُشرع لتكريس صور تاريخية بعينها، وإنما لتحقيق مقاصدها في كل زمان ومكان. وما كان وسيلة في عصر قد يصبح غير محقّق للغاية في عصر آخر، بينما تبقى الغاية ثابتة لا تتبدل، لأنها تدور مع العدل، وصيانة الكرامة الإنسانية، وحفظ النظام العام، ومنع أسباب الفتنة، وحماية العمران الإنساني. وفي هذا السياق يبرز مساهمة معالي العلامة عبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيّه، رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، الذي أسس مشروعَه العلمي على إعادة وصل الفتوى بفقه الواقع، وربط تنزيل الأحكام بتحقيق المناط واعتبار المآلات. فليس كل حكم صح دليلُه يصح تنزيلُه في كل ظرف، وليس كل اجتهاد ورثناه عن السابقين يصلح أن يُنقل إلى واقع تبدلت فيه بنية الدولة، وتغيّرت طبيعة العلاقات السياسية والاجتماعية.
وبهذا المنهج تجاوز النقاش حدودَ الجدل الفقهي إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف يبقى النص وفياً لمقصوده وهو يواكب تحولات الزمان؟ لذا، لم يكن استحضار صحيفة المدينة المنورة في وثيقة مراكش استدعاءً لحدث تاريخي، بل كان استحضاراً لقاعدة تأسيسية في بناء الدولة. فقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم مجتمعَ المدينة على عقد جامع، لم يُلغ اختلافَ المكونات، ولم يجعل التنوعَ مدخلاً للتنازع، بل نظمه في إطار وحدة سياسية تحفظ الحقوق، وتحدد الواجبات، وتجعل الجميع شركاء في حماية المجال العام. ومن هنا اكتسبت الصحيفةُ قيمتَها بوصفها شاهداً على أن التعدد لا يناقض وحدةَ الدولة، وأن اختلاف الانتماءات لا ينقض وحدةَ المواطنة.
وبعد عقد من الزمن، تبدو هذه الرؤية أكثر إلحاحاً مما كانت عليه عند صدور الوثيقة. فالعالَم يشهد عودةَ صراعات الهوية، وتزايدَ محاولات توظيف الانتماءات الدينية والعرقية في إعادة تشكيل خرائط النفوذ، حتى غدت أوضاعُ بعض المكونات الداخلية مدخلاً للتدخل في شؤون الدول، أو ذريعةً لإضعافها، أو وسيلةً لتمزيق نسيجها الوطني. ومن هنا تتجاوز وثيقة مراكش بعدها الحقوقي إلى بعد سيادي، إذ تؤكد أن الدولةَ التي تُقيم العدلَ بين مواطنيها، وتصون حقوقَهم على قدم المساواة، تُغلق أبوابَ الفتنة من داخلها، وتحصّن قرارَها مِن الضغوط القادمة من خارجها.
لقد نجحت الوثيقةُ في تصحيح جانب معتبر من الخطاب الإسلامي المعاصر، غير أن نجاحها الفكري لا يكفي ما لم يتحوَّل إلى ثقافة عامة وسياسات راسخة. فالأفكارُ لا تغير الواقعَ بمجرد إعلانها، وإنما حين تتجسد في مناهج التعليم، وخطاب المؤسسات الدينية، وصناعة التشريع، وبناء الوعي المجتمعي. وعندئذ فقط تصبح المواطنةُ حقيقةً معيشةً، لا شعاراً يُرفع في المناسبات. إن الذكرى العاشرة لوثيقة مراكش ليست مناسبة لاستعادة نصها، بل لاختبار قدرتنا على استكمال مشروعها.
فالمسألة لم تعُد حماية أقلية أو أكثرية، وإنما ترسيخ دولة يكون العدل فيها سابقاً على الانتماءات، ويكون القانون ضامناً للحقوق، ويكون التنوع عنصراً من عناصر قوة المجتمع لا سبباً لتصدعه. وحين يتحقق ذلك، تكون وثيقةُ مراكش قد تجاوزت حدودَ المؤتمر الذي وُلدت فيه، لتغدو محطةً مفصليةً في مسار تجديد الفكر الإسلامي وبناء الدولة المستقرة.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة
إقرأ المزيد


