جريدة الإتحاد - 7/28/2026 11:35:26 PM - GMT (+4 )
عد إطلاق «فيكرام-1»، أول صاروخ مداري يطوره القطاع الخاص الهندي، والذي صنعته شركة «سكاي روت إيروسبيس»، ومقرها مدينة حيدر آباد في جنوب الهند، إنجازاً مهماً في برنامج الفضاء الهندي. وقد أُطلق الصاروخ، الذي يبلغ طوله 22 متراً، من مركز فضاء في ولاية أندرا براديش إلى مدار منخفض حول الأرض على ارتفاع 450 كيلومتراً، مع قدرة على حمل حمولة يصل وزنها إلى 350 كيلوغراماً.
وبهذا الإطلاق، أصبحت الهند ثالث دولة في العالم، بعد الولايات المتحدة والصين، تمتلك شركةً خاصةً قادرةً على إطلاق صاروخ مداري. حملت الرحلة التجريبية الأولى حمولتين رمزيتين: «كوزميك بلوم»، وهو عمل فني على شكل زهرة، وصاروخ صغير من الذهب عيار 18 قيراطاً. ويضم الصاروخ الصغير منحوتات مجهرية لثلاثة علماء، أصغر من حبة أرز، تكريمًا للعلماء الرواد في الهند. هؤلاء العلماء هم «سي. في. رامان» و«فيكرام سارابهائي»، و«أ. ب. ج. عبد الكلام». وقد عزز نجاحُ إطلاق هذا الصاروخ طموحاتِ الهند في صناعة الفضاء التجارية، ومن المتوقع أن يشجع الابتكارَ ويجذب المزيدَ من الاستثمارات.
ويأتي إطلاق صاروخ «فيكرام-1» عقب نجاح تجربة الطيران شبه المداري لصاروخ «فيكرام-إس» عام 2022، والتي أجرتها أيضاً شركةُ «سكاي روت إيروسبيس» نفسُها، والتي أسسها عالمان هنديان عام 2018. وقد أثبت نجاحهما قدرةَ الشركات الهندية الخاصة على تصميم وإطلاق الصواريخ. وشهدت المهمةُ نجاحَ عدة تقنيات مثل أنظمة الدفع والتوجيه الإلكتروني وأنظمة التحكم في الطيران. ومن المتوقع أن يجذب نجاح هذا الصاروخ المزيدَ من المستثمرين إلى برنامج الفضاء الهندي.
وفي شهر مايو الماضي، أصبحت شركة «سكايروت إيروسبيس» أول شركة هندية ناشئة في مجال الفضاء تصل قيمتها السوقية إلى مليار دولار، بعد حصولها على تمويل بقيمة 60 مليون دولار من صندوق الثروة السيادي السنغافوري «جي آي سي» وشركة «شيربالو فنتشرز» في وادي السيليكون. وإضافة إلى ذلك، وبحلول فبراير 2026، سهل المركز الوطني الهندي لترويج وترخيص مشاريع الفضاء استثماراتٍ بقيمة 150 مليون دولار في شركات الفضاء الناشئة الهندية خلال عام 2025، حيث حصلت أفضل 10 شركات ناشئة على طلبات مؤكدة بقيمة مماثلة.
ويحظى برنامج الفضاء الهندي باهتمام عالمي، إذ اشتهر بكفاءته العالية في خفض النفقات، حيث يُطلق مهماتٍ فضائيةً بتكلفة أقل بكثير من تكلفة المهمات المماثلة التي تُنفذها دول غربية بالإضافة إلى الصين. فقد بلغت تكلفة مهمة منظمة أبحاث الفضاء الهندية إلى المريخ عام 2014 أقل من تكلفة إنتاج فيلم «جاذبية» الهوليوودي.
وحققت الهندُ نجاحاتٍ عديدةً في برنامجها الفضائي، الذي تهيمن عليه حتى الآن منظمة أبحاث الفضاء الهندية «إيسرو». ولا تزال المنظمة هي المحرك الرئيسي لبرنامج الفضاء الهندي. وقد انطلقت مركبة «فيكرام-1» من محطة إطلاق منظمة أبحاث الفضاء الهندية «إيسرو». وتواصل المنظمة دعم الشركات الخاصة في إطار تعاون بين القطاعين العام والخاص يهدف إلى دفع برنامج الفضاء الهندي قُدُماً. وتسعى الهندُ جاهدةً لتطوير برنامجها الفضائي، الذي يَجمع بين استكشاف الفضاء واستخدامه للأغراض المحلية، بدءاً من الملاحة عبر الأقمار الصناعية وصولاً إلى رصد الأرض.
وفي مجال استكشاف الفضاء، نجحت الهندُ في إطلاق مهمة إلى القمر، لتصبح الدولة الوحيدة التي حققت هبوطاً سلساً بالقرب من القطب الجنوبي للقمر، كما أرسلت مهمةَ رصد إلى الشمس. كما أجرت الهند رحلةً تجريبيةً، تمهيداً لمهمتها المخطط لها لنقل رواد فضاء إلى الفضاء. ولديها عدة أهداف أكثر طموحاً قيد التنفيذ، حيث تركز خطط الهند الفضائية على رحلات الفضاء المأهولة، ومحطات الفضاء المعيارية، واستكشاف القمر. وفي الوقت نفسه، وقّعت الهندُ عشرات الاتفاقيات مع دول العالم ووكالاتها الفضائية الرئيسية في مجال التعاون في تكنولوجيا الفضاء والبحوث.وشهد برنامج الفضاء الهندي توسعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، بعد أن فتحت الحكومةُ الهنديةُ المجالَ أمام مشاركة القطاع الخاص وسمحت باستثمار أجنبي مباشر بنسبة تصل 100%، مما أتاح لشركات مثل «سكاي روت» الحصولَ على تمويل من الأسواق العالمية. وأتاحت سياستُها الفضائية، التي اعتُمدت عام 2023، مشاركةَ القطاع الخاص في سلسلة القيمة الفضائية بأكملها، مما عزز الابتكارَ والاستثمارَ وريادةَ الأعمال في جميع أنحاء منظومة الفضاء. ونتيجة لذلك، يشارك القطاع الخاص في تصنيع الأقمار الاصطناعية، وخدمات الإطلاق، وتطبيقات الفضاء، والخدمات اللاحقة. ومن دلائل نجاح تلك الإصلاحات في تشجيع الشركات الخاصة، عدد الشركات الناشئة في مجال الفضاء في الهند. فقد نمت منظومة الشركات الناشئة في هذا المجال من شركة واحدة فقط عام 2014 إلى أكثر من 400 شركة عام 2026، مما يعكس الاهتمامَ المتزايد باستغلال الفضاء.
وتُقدَّر قيمة اقتصاد الفضاء الهندي بنحو 8.4 مليار دولار، ومن المتوقع أن ينمو القطاع خمسة أضعاف ليصل إلى 45 مليار دولار بحلول عام 2030، وإلى 100 مليار دولار بحلول عام 2040. وتهدف الهندُ إلى ترسيخ مكانتها كمركز عالمي لتكنولوجيا الفضاء، والتصنيع والابتكار والأنشطة الفضائية التجارية. وقد أظهر الإطلاق الناجح أن الهند مستعدة للمنافسة في قطاع الفضاء التجاري سريع النمو. فهي تمتلك جهات حكومية وخاصة قادرة على تطوير مركبات الإطلاق، وجذب العملاء، وتوفير وظائف عالية المهارة. وبالنسبة للهند، كان «فيكرام-1» إثباتاً عملياً لإمكانية النجاح، وقد فتح البابَ على مصراعيه أمام برنامج الفضاء الهندي لمواصلة الانطلاق إلى آفاق أبعد.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي
إقرأ المزيد


