جريدة الإتحاد - 7/29/2026 12:21:19 AM - GMT (+4 )
«الشيطان لعب عليّ، ضحك عليّ الشيطان، الشيطان.. دَهاني» كلها مصطلحات تدل على معنى واحد، وهو أننا نلوم الشيطان، وننسى أفعالنا!
ودائماً ما أتساءل: لِمَ يحمّل الإنسان الشيطان الكثير من أخطائه، وكأنه يريد أن يطرد عن نفسه الخطأ، رغم أن البشر خطاؤون، وخير الخطائين التوابون؟! غير أن من أثار هذا السؤال مجدداً ابني منصور في عمره الصغير، وهو من نسق الجيل الجديد؛ لأن جيل أبيه، وحين كنا في عمره، كان تفكيرنا بسيطاً، وضمن التفكير الجماعي والأسري، ويغلب عندنا اللعب على الفهم؛ لذا كانت من سمات جيلنا العلامات الفارقة، يعني مستحيل تصل للسادسة دون أن يفلعك أحدهم بحجر في رأسك أو تجد «صيمك متزلغ» من المعافد والطيحات ولعب «القَبّة أو التَبّة» حافياً، وأكثر من شمخ في وجهك، أقلها لابد ويكون على ظاهر يدك «داغ»، من أجل التسديد في الرمي، ولا تنتفض يدك!
جيل اليوم مختلف باختلاف العصر ومستجداته، مرفه، منعم، متخم بالألعاب الطفولية، وتدفق معرفي كبير، وفي أي وقت، وفي كل مكان؛ لذا تجدهم أكثر ثقة بالنفس، ليس من صفاتهم الخجل المطلق سواء أكان مبرراً أو غير مبرر، وينطقون بما يفكرون به دون حاجز، خاصة ورثة التعليم الأجنبي، ومحبي وسائط التواصل الإلكتروني والسباحة في فضاءاته المختلفة.
المهم.. مرة كنا صباحاً على مائدة الفطور، والحاجة «سهيلة» تعرفونها منذ نعومة أظافر أبنائها، وهي توصيهم: ادخل برجلك اليمين يا «منصور»، واخرج برجلك اليسار، وإذا دخلت البيت سلّم، فيكون جواب ذاك الشبل وهو من هذا الأسد: «واي.. نو بادي ان ذا هاوس»؟ فتصرخ تلك الصرخة، ويكاد يطير برقعها، وهذا الأمر على هذه الشاكلة مع بقية الأبناء، عدا «الحور» العيناوية التي تسميها الرضية!
المهم.. كانت «سهيلة» مرة ساهية لاهية وموزعة نفسها في أرجاء المطبخ، ومشاهدة الحلقة الـ 117 من مسلسلها التلفزيوني، وتدخن البيت، والغسالة شغّالة، لأنها بصراحة هي «ثري إن ون»، وأثناء ذلك فار الحليب وفاض على الفرن، فصرخت غاضبة: «أعوذ بالله من إبليس.. هذا من عيون أبوكم»!
فزع «منصور» ورفع رأسه عن شاشة «الآيباد»، وقال لها جملة باردة: «هو إز إبليس؟ ذس إز يور فولت»!
و«أنا دوّرني ذاك الساع وما بتلقاني»، حاولت أن أكتم تلك الضحكة المجلجلة، فلم أقدر، فنظرت لنا بتلك النظرة، وقالت: «والله ما أحد إبليس إلا أنت وأبوك».
الشاهد أن هذا الجيل الجديد لا يكتفي بتلقينه النص دون أن نعطيه إجابات عن أسئلته الكثيرة، وهو لا يخاف أن يسأل والديه عن كل ما يدور في رأسه، ليس مثل جيلنا؛ لأننا كنا نتوقع «الطراق والفتنة والهزبة، وكلمة صَه» على أقل تقدير.
الأمر الآخر ترانا نحمّل الشيطان كل خطايانا وأخطائنا منذ الخطيئة الأولى وحتى اليوم، ولا نفرّق بين الشيطان وبين إبليس، وبين أعوانهما، وإلا ما دخل الشيطان في الكعب العالي، وزلّة رجل المرأة في «المول»؟! أو واحدة ترخيص جديد، راجعة «ريوس» دون أن تنتبه وتدعم سيارتين، وتلوم إبليس، أو واحد هفّته نفسه وسرق مالاً من عمله، لِمَ يخزي الشيطان، والشيطان هو؟!
شيبة رائح يتعالج في بانكوك، ويظل طوال فترة علاجه صاحياً متعافياً، ولا فيه إلا العافية، ويتشرط «أبّا تهميز.. وأبّا أكلات بحرية»، وضارب بذاك «الشورت ونعال الشاطئ»، ولا يشبع من شيء، ومتى ما رجع البلد ظهرت أوجاع الدنيا فيه، وحين يكشف أمره، يقول: «والله الشيطان دَهاني»! طوال تلك الفترة، وزميله الشيطان يزين له وهو فرح، والآن ينكر الجميل، ويضع باللائمة على إبليس والشيطان أو أعوانهما!
إقرأ المزيد


