جريدة الإتحاد - 7/31/2026 10:16:35 PM - GMT (+4 )
تُظهر وسائل الإعلام الإسرائيلية وتصريحات بعض المسؤولين الوضع الراهن في إسرائيل على أنه مرشح لحرب أهلية يحاول الرئيس الإسرائيلي برغم محدودية صلاحياته التحذير من تبعاتها، وتفادي الدخول على خط الانقسام اللافت في الخريطة الحزبية والسياسية، بفعل استعداد إسرائيل لخوض أول انتخابات برلمانية جديدة تخوضها في موعدها المقدر منذ سنوات بعيدة.
والواقع أن الانقسامات في إسرائيل تاريخياً ظاهرة معتادة ومتوافق بشأنها بين التيارات السياسية المختلفة، وتقسيم الدولة العبرية إلى طوائف أو وعرقيات وتداخل الديني مع السياسي والمتدينين مع العلمانيين وهو أمر عاشته إسرائيل منذ قيامها.
وبالتالي فان تصاعد هذا المد تم بفعل المشهد الانتخابي طبيعي ومعتاد بصرف النظر عن حالة التهويل الحالية، والتي تظهر الدولة وكأنها على شفا حرب أهلية قادمة، وهو ما لن يحدث في كل الأحوال لأن هناك مقومات تحمي هذا الكيان من السقوط في ظل تماسك المجتمع عبر مراكز قوى حقيقية تدير الدولة من الداخل، ولا تظهر على العلن، وهؤلاء يمثلون مجموعات مختارة من مختلف مؤسسات الدولة والتي تتحرك في مساحات كبيرة آمنة، وعلى رأس هؤلاء قيادات المؤسسة الدينية، ومجموعة الحاخامات الكبار إضافة لشخصيات بارزة سابقة، خدمت في الجيش الإسرائيلي، ولا يترشحون علانية أمام الجمهور الإسرائيلي وكل هؤلاء، وغيرهم منوط بهم رسم سياسات الدولة، وصياغة أولوياتها ومهامها الكبرى.
وبعض هذه الشخصيات تظهر في وسائل الإعلام، وفي مراكز البحوث مثل مركز الأمن القومي – بيجين سادات – هرتسليا لتوجيه إسرائيل إلى مساراتها مع التأكيد على بقاء الدولة في محيطها الإقليمي والعمل في مساحات آمنة، وتجاوز المخاوف الراهنة، وبل عبور الدولة العبرية إلى مرحلة العقود الثمانية، والوصول بالدولة إلى 100 عام للبقاء في الشرق الأوسط. ومن ثم فإن الصراعات الراهنة مهمة وضرورية لبقاء الدولة والحفاظ على كيانها وجعل الإسرائيليين يتحدثون عن هدف قومي للبقاء والاستمرار، وليس التناحر أو الصراع على القضايا الحزبية، والتي تخص شرائح مهمة في المجتمع مثلما يجري في المجتمع المتدين أو الحريديم، الذي يسعون للحصول على مكاسب عليا ومزايا للأسر المتدينة.
ولهذا جاء قانون التجنيد وصراع الليكود من جانب وباقي الأحزاب مدخلاً مهماً لفهم ما الذي يجري لمجتمع الحريديم الرافض تماماً للخدمة في مؤسسات الجيش برغم ما تواجهه الدولة من تحدي البقاء، واستمراراً للتواجد في دول جوارها بل وتوسيع مساحة الدولة، وفي ظل مشكلة أخرى متعلقة باستدعاءات الاحتياطي التي يرتكز عليها الجيش الإسرائيلي في المقام الأول.
وبالتالي فإن الإشكالية أكبر من أن تترك لنواب الكنيست، أو للحكومة الراهنة التي لا تزال توجه إلى الخطر الحقيقي في استهداف إسرائيل، وبقاء المخاطر، ولهذا تبنّت إسرائيل سردية الخطر الوجودي الذي يواجه الدولة العبرية بأكملها، وليس الحكومة ممثلاً في إيران ما يتطلب القفز على كل الخلافات والتضافر معاً سواء من خلال حكومة كل إسرائيل مثلما يطالب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والذي يعمل على هدف رئيسي وهو البقاء في صدارة المشهد بحزب الليكود، بل وفي سائر الأحزاب الدينية الأخرى، والتي يعمل على توحيد صفها لاجتياز نسبة الحسم.
ومع تصاعد نجم غادي ايزنكوت باعتباره عسكرياً بارزاً ولديه رؤية إلى حد ما مختلفة، فإن السؤال المطروح، وماذا عن استطلاعات الرأي المطروحة، وتتالي صدورها من مصادر إعلامية لتوجيه الرأي العام بأن عصر نتنياهو قد أوشك على الانتهاء، وهو أمر سيحتاج إلى مراجعات سياسية حقيقية وجمهور مرتبك ومتردد ليس لديه الرؤية الكاملة لما يجري، ويواجه بضغوطات إعلامية وسياسية متعددة الأمر الذي سيذهب بإسرائيل إلى مساحات أخرى من الخلافات وهو أمر غير متوقع لأنه لا يوجد حزب بما في ذلك الليكود قادر على تشكيل الحكومة بمفرده.
وبالتالي فإن الحديث عن تغييرات جذرية في المجتمع الإسرائيلي، وتكرار الرأي بأن الحروب التي خاضتها إسرائيل ستكون مدعاة إلى التغيير الكامل ليس صحيحاً بل بالعكس ستعمل إسرائيل الأخرى خلف الجدران على جمع الدولة بل والوصول إلى إجراء انتخابات عادية شأنها شأن أي انتخابات سبق وأن أجريت مع الالتزام بثوابت، وكلاسيكيات الانتخابات الإسرائيلية المعتادة مع البقاء لأشهر طويلة لتشكيل حكومة مستقرة، وهو ما قد يعوق أي تقدم في أي مسار للحكومة الإسرائيلية ما يضعها تحت ضغوطات هائلة للتوحد، وتجاوز أية مخاطر خاصة مع بعض الرهانات المترددة في الداخل الإسرائيلي، بأن الجيش قد يذهب إلى استكمال العمل العسكري في غزة بل والدخول مجدداً في مواجهة مع إيران إلا أن هذا الأمر قد يتغير فجأة بانضمام إسرائيل إلى جوار الولايات المتحدة للمواجهة العاجلة مع إيران، الأمر الذي قد يؤدي إلى تحول العملية الانتخابية لحادث عارض، وهو أمر يخدم نتنياهو وبقاء الليكود..
يمكن التأكيد إذا على أن التهويل الإعلامي من أن إسرائيل قد تشهد حرباً أو تطورات داخلية تدفع لمزيد من الانقسامات غير وارد، الأمر الذي يواجه بحذر حكومي ومن مراكز التأثير الكبرى غير المرئية، والتي تضبط إدارة المشهد في الوقت الراهن حفاظاً، على بقاء الدولة واستمرارها، بل وتوفير المناعة الوطنية للمجتمع الإسرائيلي.
*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


