جريدة الإتحاد - 7/31/2026 10:28:21 PM - GMT (+4 )
يحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب استقبال القادة الأجانب في البيت الأبيض ليُظهر أن المكتب البيضاوي هو مركز العالم. ولهذا، فإنه كلما استقبل ضيفاً يستدعي الصحفيين والمصورين. غير أنه في 28 يوليو الماضي، استقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشكل منفصل، من دون كاميرات.
فكيف يمكن تفسير ذلك؟ يمثّل هذان الزعيمان صراعين تبدو الولايات المتحدة عالقة فيهما حالياً، وسبق لترامب أن أكد أنه سيقوم بتسويتهما بسرعة. إلا أن ذلك لم يحدث. وقد استقبلهما ترامب واحداً تلو الآخر، على هامش مراسم تشييع ليندسي غراهام، الذي كان من أبرز الصقور في الولايات المتحدة والداعم القوي لإسرائيل وأوكرانيا.
والواقع أن ثمة نوعاً من التوافق في المصالح بين إسرائيل وأوكرانيا. فمؤخراً، استهدفت أوكرانيا سفينة إيرانية في خطوة أرادت من ورائها أن تُظهر للولايات المتحدة أنها حليف مفيد. ذلك أن الخطاب سواء الإسرائيلي أو الأوكراني يقوم على فكرة أن هناك إسرائيل وأوكرانيا من جهة، ومن الجهة الأخرى إيران وروسيا. فأوكرانيا تسعى إلى إظهار أنها قادرة على وضع خبراتها في مجال الطائرات المسيّرة تحت تصرف الدول العربية في الخليج، وكذلك الدول الغربية. ولكنها تطالب، في المقابل، بالحصول على صواريخ «باتريوت» من أجل تعزيز دفاعاتها الجوية.
والحال أن الولايات المتحدة لم تعد تمتلك الكثير من هذه الصواريخ بعدما استنزفت جزءاً من مخزونها في مواجهة إيران. صحيح أن هناك حالياً حديثاً عن إنشاء مصنع لإنتاج صواريخ «باتريوت» على الأراضي الأوكرانية، غير أن ذلك لن يلبّي الاحتياجات العاجلة لأوكرانيا على المدى القصير. وعلى كل حال، فإن زيلينسكي لم يعد ذلك الرجل الذي ضغط عليه ترامب داخل المكتب البيضاوي في فبراير 2025. وبالمقابل، يبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بات يشعر بالندم على عدم قبوله الصفقة التي عرضها عليه ترامب في أنكوريج بألاسكا عام 2025، والتي كانت تصب في مصلحته إلى حد كبير.
في الأثناء، دعا الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف مؤخراً إلى إنهاء الحرب، معتبراً أن وقف إطلاق النار على خطوط القتال سيكون خطوة مرحباً بها، وأنه ينبغي العودة إلى اتفاقات إسطنبول لعام 2022. موقف ينم عن حالة من الإنهاك التي باتت تشعر بها حتى الدول التي كانت تقليدياً قريبة من موسكو. ومن جهتها، كثّفت الصين تصريحاتها التي تؤكد تمسكها باحترام وحدة الأراضي وأنها لم تدعم الحرب الروسية. نتنياهو التقى ترامب للمرة الثامنة منذ عام 2025، وجدد التأكيد على أن ترامب هو أفضل حليف حظيت به إسرائيل على الإطلاق في البيت الأبيض.
غير أن ترامب بدأ مؤخراً يأخذ مسافة من رئيس الوزراء الإسرائيلي. فقد أراد نتنياهو التحدث معه بشأن المواقع النووية الإيرانية، ولكن ترامب رد بأنه لا يحتاج إلى إسرائيل بخصوص هذا الملف، بل إنه أضاف أنه لولا الدعم الأميركي لما تمكّنت إسرائيل من الصمود طويلاً. ولعل ذلك يعزى إلى حقيقة أن ترامب لا يزال يشعر بالاستياء تجاه نتنياهو لأنه أدخله في هذه الحرب ضد إيران التي بات من الصعب عليه الخروج منها. حرب لا تحظى بتأييد سوى ثلث الأميركيين. وأحد هذه الخيارات هو مواصلة الضربات العسكرية. لكن هذا النهج لم يحقق نتائج ملموسة حتى الآن، لأن الإيرانيين يواصلون تحمل القصف من دون إبداء أي ليونة.. وفضلاً عن ذلك، فإن استمرار القصف يمكن أن يؤدي إلى استنزاف حقيقي لمخزون الولايات المتحدة من الصواريخ.
أما الخيار الآخر فهو العودة إلى المفاوضات كما نصّت على ذلك مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو الماضي. غير أن القادة الإيرانيين لا يبدون مستعدين لذلك لأنهم ما عادوا يثقون في تعهدات الولايات المتحدة أو توقيعها. أما الخيار الأخير المتاح أمام الرئيس الأميركي، فهو أن يعلن أنه نجح في تسوية الوضع ويضع حداً للعمليات العسكرية.
وفي هذه الحالة، سيترك ترامب السيطرة على مضيق هرمز للإيرانيين، علماً بأن المضيق كان قبل اندلاع الحرب مفتوحاً أمام حركة الملاحة بحرّية وبدون عراقيل. وعليه وبالنظر إلى كل هذه المعطيات، يبدو من الصعب تصور أن يحرز ترامب نجاحاً في هذا الملف.
*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس.
إقرأ المزيد


