جريدة الإتحاد - 7/31/2026 11:37:34 PM - GMT (+4 )
تفرض إدارة ترامب رسوماً جمركية جديدة بنسبة 50% على معظم السلع القادمة من كندا. كما أعلن الرئيس دونالد ترامب الأسبوع الماضي جولة جديدة من الرسوم الجمركية العالمية، في خطوة قد يُطلق عليها، لو كانت فيلماً، اسم: «يوم التحرير الثاني: العودة».ويعود ترامب إلى أداته المفضلة في السياسة الصناعية بعد بضعة أشهر من الهدوء.
ويقول محللون، إن الرسوم الجديدة ستضغط على سلاسل الإمداد وقد تتسبب في ركود اقتصادي. لكن الاقتصاديين أطلقوا توقعات مشابهة بعد «يوم التحرير» الأول في أبريل 2025. واليوم، أصبحت التجارة العالمية أقوى من أي وقت مضى. ولم ينهَر الاقتصاد الأميركي، ولم يخرج التضخم عن السيطرة، ولم تصبح رفوف متاجر وول مارت فارغة. وبالطبع، لا يعني ذلك أن الرسوم الجمركية كانت خطوة جيدة، لكنه يعني أنها لم تعمل بالطريقة التي توقعها أنصار النظريات الاقتصادية التقليدية. المثير للدهشة أن الصادرات إلى الولايات المتحدة تشهد نمواً قوياً.
على سبيل المثال ألمانيا، التي كان من المفترض أن تتضرر بشدة جراء الرسوم الجمركية التي يفرضها ترامب، نظراً لاعتمادها الكبير على الصادرات الصناعية، لكن الصادرات الألمانية إلى الولايات المتحدة في مايو 2026 - وهو أحدث شهر تتوافر عنه البيانات - كانت أعلى بنحو 2% مقارنة بما كانت عليه قبل عامين. أما الصادرات البريطانية إلى الولايات المتحدة فتتسم بالتقلب، لكنها ارتفعت بأكثر من 5% خلال الفترة نفسها. وفي مايو الماضي، ارتفعت صادرات اليابان إلى الولايات المتحدة بنسبة 12.5% مقارنة بالعام السابق. وحتى كندا، حيث فاز رئيس الوزراء مارك كارني في الانتخابات مستنداً إلى موقفه المتشدد في مواجهة ترامب بشأن التجارة، شحنت إلى الولايات المتحدة في مايو الماضي كمية من السلع أكبر مما شحنته في أي شهر منذ فبراير 2025.
وبصورة إجمالية، ارتفعت الواردات الأميركية من 275 مليار دولار في مايو 2024 إلى 312 مليار دولار في مايو 2026، رغم أن نظام الرسوم الجمركية، بما يتسم به من فوضى وتعقيدات قانونية في التنفيذ، لا يزال مطبقاً بقوة. أرقام الصادرات تتعارض مع المنطق الاقتصادي التقليدي. فالرسوم الجمركية هي في النهاية ضريبة على التجارة، والضرائب عادةً ما تؤدي إلى تراجع الطلب. وحتى المؤيدون المتحمسون لهذه الرسوم توقعوا أن تشتري الولايات المتحدة عدداً أقل من السلع الأجنبية وأن تنتج المزيد محلياً، وهو ما رأى مؤيدوها أنه سيكون أفضل للجميع.
لكن ما حدث فعلياً هو الأمر الوحيد الذي لم يتوقعه أحد: فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية، ومع ذلك ارتفعت وارداتها. ومن باب الإنصاف، كانت هناك عوامل أخرى مؤثرة. فجزء من ارتفاع الواردات يعود إلى زيادة أسعار النفط، إذ ارتفعت قيمة واردات النفط الخام بمقدار 1.5 مليار دولار في مايو، رغم بقاء حجم الواردات مستقراً نسبياً. لكن الاقتصاد الأميركي أيضاً في وضع أفضل بكثير من معظم اقتصادات العالم الأخرى.
فقد تفوقت الولايات المتحدة بفارق مريح على أوروبا واليابان في نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2025، والاقتصاد المزدهر هو اقتصاد يشتري المزيد من السلع. ويرغب المصدرون في البيع داخل سوق يشهد نمواً، حتى لو اضطروا إلى دفع رسوم جمركية. كما أن لدى الولايات المتحدة شهية لا تشبع للتكنولوجيا التي تقود طفرة الذكاء الاصطناعي. ويرجع جزء من ارتفاع الصادرات اليابانية إلى قوة مبيعات أشباه الموصلات. وفي مثل هذه الحالات، لا تُحدث الرسوم الجمركية فرقاً كبيراً.
وتتكيف الشركات مع هذه الرسوم بسرعة أكبر بكثير مما افترضه الاقتصاديون. فالمصدرون يتحولون نحو السلع ذات هوامش الربح المرتفعة، والتي يصعب إيجاد بدائل لها، حيث لا تمثل الرسوم البالغة 10% أو 15% سوى تأثير محدود على إيرادات الشركات. فعلى سبيل المثال، ارتفعت مبيعات الساعات السويسرية إلى الولايات المتحدة بنسبة 24% هذا العام. وتبدو الشركات أكثر قدرة بكثير على العمل في بيئة تتسم بارتفاع الرسوم الجمركية مما توقعه أي شخص قبل عام.
لكن ذلك لا يعني أن الرسوم الجمركية نُفذت بصورة جيدة، فمن الواضح أنها لم تُنفذ كذلك. كما لا يعني أن هذه الرسوم ينبغي أن تبقى سارية على المدى الطويل، حتى لو تمكن ترامب من إيجاد مبرر قانوني لها.
لكن بعد «يوم التحرير الثاني»، ينبغي أن نتذكر أن كثيرين في المؤسسة الاقتصادية لا يزالون عالقين في تصور يرى أن الرسوم الجمركية المرتفعة تعني بالضرورة انهيار الاقتصادات وتراجع الواردات بصورة حادة. وعلى الرغم من كل الاضطرابات التي تسببت فيها هذه الرسوم، فقد حان الوقت لمراجعة كتب الاقتصاد وتحديثها.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية
إقرأ المزيد


