جريدة الإتحاد - 8/3/2026 10:48:26 PM - GMT (+4 )
يرى البروفيسور جيانغ شيويه تشين أن الانتصار الحقيقي هو تجنب الانتصار، أعاد البروفيسور الصيني–الكندي المثير للجدل إحياء الاهتمام بتطبيق نظرية اللعبة (Game Theory) على الصراع الأمريكي–الإيراني، بعدما طرح تحليلاً توقع فيه أن الحرب لن تُحسم بانتصار عسكري أميركي تقليدي، بل ستتحول إلى صراع استنزاف يغير ميزان القوى الدولي. ويستند تحليله إلى فكرة أن الحروب الحديثة لا تقاس بعدد الأهداف المدمرة أو حجم القوة المستخدمة، وإنما بقدرة كل طرف على تحمل تكلفة الصراع مقارنة بخصمه. وقد أصبحت هذه الرؤية محط اهتمام واسع بعد انتشار سلسلة محاضراته وتحليلاته الجيوسياسية على وسائل التواصل الاجتماعي.
ولكن ما أهمية تحليل مثل تلك الشخصيات؟ وهل هم في الحقيقة أشخاص يتحركون بصورة عشوائية ولا يمثلون أجندات واضحة -لربما- لدول أو شركات أو منظومات لها مخططات غامضة؟ الإجابة تكمن في دقة كل ما يتوقعون حدوثه وحدوثه فعلياً على أرض الواقع!
يرى جيانغ أن الولايات المتحدة وإيران لا تخوضان لعبة ذات نهاية سريعة، بل لعبة متعددة المراحل تتغير فيها قواعد المنافسة مع كل خطوة وهناك مستهدفون رئيسيون وحقيقيون خلف الظاهر للعيان. ففي نظرية اللعبة، لا يعتمد القرار على أفضل خيار منفرد، وإنما على توقع رد فعل الخصم ورد الخصم على ذلك الرد. لذلك فإن أي تصعيد عسكري يولّد سلسلة من القرارات المتبادلة التي تجعل السيطرة على مسار الحرب أكثر صعوبة مع مرور الوقت. ولهذا يؤكد أن المشكلة ليست في بدء الحرب، بل في القدرة على إنهائها بالشروط التي يريدها كل طرف.
ومن منظور نظرية اللعبة، قد ينجح اللاعب الأقوى في كسب معظم المعارك التكتيكية، لكنه يخسر اللعبة إذا أصبحت تكلفة الاستمرار أعلى من المكاسب المتوقعة. وووفق هذه النظرية، ربما تعتمد إيران على إطالة أمد الصراع، ورفع تكلفة العمليات، وتوسيع ساحات المواجهة بصورة تجعل تحقيق نصر حاسم عليها أمراً بالغ الصعوبة. وبدورها ستشعل أميركا حتماً الجبهة الداخلية في إيران. ويشرح جيانغ أن الاستراتيجية الإيرانية لا تقوم على هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً، وإنما على منعها من تحقيق نصر سياسي واضح. فكلما طال أمد الحرب، ازدادت الضغوط الاقتصادية، وارتفعت تكاليف الانتشار العسكري، وتأثرت الأسواق العالمية، وأصبح الحفاظ على التحالفات أكثر تعقيداً. وفي المقابل، تحاول واشنطن الحفاظ على الردع دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة غير محددة النهاية، لأن مثل هذه الحرب قد تستنزف الموارد والاهتمام الاستراتيجي بعيداً عن أولويات أخرى، وعلى رأسها منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ومن أهم أفكار جيانغ ما يسميه «قانون التصعيد»، حيث يرى أن النجاح لا يتحقق عبر الهيمنة في التصعيد، وإنما عبر القدرة على التحكم فيه. فكل طرف يسعى إلى زيادة الضغط على خصمه، لكنه في الوقت نفسه يحاول تجنب تجاوز الخط الذي يؤدي إلى مواجهة لا يمكن السيطرة عليها. وبهذا تصبح إدارة التصعيد أكثر أهمية من تحقيق أقصى درجات القوة العسكرية، لأن أي خطأ في الحسابات قد يدفع جميع اللاعبين إلى نتائج لا يرغب بها أحد. والأدهى من ذلك، لربما كان هناك اتفاق بين أطراف الصراع أو أجنحة تشكّل الدولة العميقة فيها، والمستهدف الحقيقي هو دول أخرى يجب أن تخضع لواقع أن الدول الكبرى لكي تستمر، فلابد أن تقتطع من بقية دول العالم ما يضمن بقاءها وتفوقها، وبالتالي تقسيم المنطقة وغزو إيران لبعض دول المنطقة حتمي وفق توقعات البروفيسور جيانغ.
وفي تفسيره لنهاية الحرب، وفي لغة نظرية اللعبة، سوف ينتقل اللاعبون إلى حالة توازن جديدة يكون فيها وقف التصعيد الخيار الأقل خسارة للطرفين، حتى وإن لم يحقق أي منهما جميع أهدافه الأصلية. ويؤكد أن معظم الحروب الكبرى في التاريخ انتهت عندما أصبحت تكلفة الاستمرار أكبر من تكلفة التفاوض، وليس عندما فقد أحد الأطراف كامل قدرته العسكرية.
مع ذلك، ينبغي التعامل مع تحليلات جيانغ باعتبارها رؤية تحليلية وليست حقيقة مثبتة، فقد حظيت توقعاته بانتشار واسع بعد تحقق بعض توقعاته السابقة، إلا أن عدداً من الباحثين انتقدوا منهجه، معتبرين أنه يعتمد بدرجة كبيرة على القياس التاريخي وافتراضات يصعب اختبارها علمياً، وشككوا في خلفيته الأكاديمية.
في النهاية، تقدم نظرية اللعبة إطاراً مفيداً لفهم الصراع الأمريكي–الإيراني بوصفه منافسة طويلة لتحقيق المصالح العليا والمفاوضة تحت السلاح وبين قرارات متبادلة وليست مواجهة عسكرية تقليدية فقط. ومن هذا المنظور، فإن نهاية الحرب لن يحددها حجم القوة المستخدمة وحده، بل قدرة كل طرف على إدارة التصعيد، وتحمل الاستنزاف، وإقناع خصمه بأن كلفة مواصلة الصراع أصبحت أعلى من كلفة التسوية.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.
إقرأ المزيد


