المادة الخامسة بلا «ناتو»
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في السابع من أغسطس 2026، وقّع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، وجوهرها أن أي هجوم مسلح على إحداها يُعد هجوماً عليها جميعاً.
للوهلة الأولى تبدو العبارة مألوفة، فهي تأخذنا مباشرة إلى المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي «الناتو». لكن قوة المادة الخامسة لم تكن يوماً في الكلمات التي كُتبت بها، وإنما في كل ما بُني خلفها على مدى عقود: قيادة موحدة، وقدرات عسكرية متكاملة، وتوافق سياسي على تعريف التهديد والعدو. ومن عمل في المؤسسة العسكرية يعرف أن أصعب ما في أي حلف ليس النص، بل توحيد إجراءات العمل بين قوات مسلحة مختلفة المصادر والعقيدة. ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي في مكة: ليس هل يدافع الثلاثة عن بعضهم، فهذا محسوم وفق ما يقوله النص، وإنما ماذا سيبنى بعده، وإلى أي مدى؟
الاتفاق لم يولد في يوم توقيعه. سبقته سنة من التفاوض، واتفاق سعودي باكستاني في سبتمبر 2025، ثم نشر مقاتلات باكستانية في قاعدة الملك عبدالعزيز في أبريل الماضي. وهذا يعني أننا لسنا أمام توقيع بروتوكولي عابر، وإنما أمام مسار يجري بناؤه منذ فترة.
لكن قراءة الاتفاق عسكرياً فقط تجعلنا نرى نصف الصورة، فخلفه مصالح اقتصادية مختلفة. تركيا لا تبحث عن إعانة بقدر ما تبحث عن سوق، وقد بلغت صادراتها الدفاعية 8.5 مليار دولار في 2025. أما باكستان فالمعادلة مختلفة، اقتصادها أكثر حاجة إلى السند، وهي تستورد نحو 90% من احتياجاتها من الطاقة من هذه المنطقة. ثم تأتي السعودية، التي تبدو الممول الطبيعي للمشروع.
ويضيف السلاح النووي الباكستاني طبقة أخرى إلى المعادلة. فباكستان هي القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، بنحو 170 رأساً وفق تقديرات «سيبري»، ومع ذلك لم تتضمن البيانات المعلنة أي التزام نووي. والغموض هنا يجعل الخصم غير متأكد من حدود الرد.
لكن المسألة الأهم في رأيي ليست اقتصادية ولا نووية، وإنما في تعريف التهديد نفسه. مصدر القلق السعودي يختلف عن التركي، وتركيا لديها حساباتها الكردية والسورية، بينما تبقى الهند وأفغانستان في صميم الحسابات الأمنية الباكستانية. 
وقد يكون ما يجمعها ليس عدواً واحداً، وإنما «غياب» واحد، يتمثل في  ضمانة أميركية تراجعت، وأيضاً الشعور بأن المنطقة أصبحت مطالبة ببناء ضماناتها بنفسها. وهذا سبب وجيه لنشوء تحالفات جديدة، لكنه وحده لا يصنع حلفاً عسكرياً. تستطيع أن توقّع اتفاقاً دفاعياً من دون تحديد العدو، لكن  قد يكون من الصعب أن تخطط لحرب لا تعرف جبهتها.
والمنطقة تعرف تحالفات سابقة أُعلن عنها، من «التحالف الإسلامي» إلى «تحالف البحر الأحمر»، لكنها لم تتحول حتى الآن إلى منظومات عسكرية متكاملة. ولهذا فإن السؤال ليس ماذا كُتب في مكة، بل ماذا سيُبنى بعده. إذا رأينا قيادة عسكرية مشتركة، وبروتوكولات تنفيذية، ومناورات منتظمة، وربما انضمام طرف رابع، فنحن أمام بداية حلف حقيقي. أما إذا بقي الأمر عند حدود التنسيق والتدريب وتبادل المصالح، فسيظل اتفاقاً دفاعياً مهماً، ويبقى الاختبار الحقيقي هو أول أزمة يتعامل معها. وعندها فقط، سنعرف أين تنتهي الكلمات، وأين تبدأ الالتزامات.

*لواء ركن طيار متقاعد. 



إقرأ المزيد