جريدة الإتحاد - 8/21/2026 11:55:34 PM - GMT (+4 )
كان من المفترض أن يمثّل الأسبوع الحالي محطةً بارزةً للدبلوماسية الأميركية في الشرق الأوسط، تُسلط الضوءَ على ما وصفه الرئيسُ الأميركي دونالد ترامب بالاختراقات «التاريخية» في إنهاء الحرب مع إيران والصراع الإسرائيلي الفلسطيني والحرب في غزة. لكن الأحداثَ على أرض الواقع روت قصةً مختلفةً تماماً.
ولم تتحقق الاختراقاتُ الدبلوماسية المرجوةُ على الجبهتين، بل استمر تصاعد الصراعين، رغم عدم وجود مؤشرات فورية على عودتهما إلى نمط «الحروب الشاملة».
ولم يكن جمودُ المفاوضات مجردَ تناقض غير مرغوب فيه مع الوعود الطموحة التي أطلقها ترامب بشأن صفقاته الدبلوماسية، بل كان تحدياً لأحد الأهداف الأساسية طويلة الأمد لرئاسته، يتمثل في تقليص تركيز أميركا، الذي دام عقوداً، على الشرق الأوسط، والتوجه شرقاً، وتَجنّب «الحروب الأبدية» التي استنزفت واشنطن بتكلفة باهظة، وفقاً لاستراتيجيته للأمن القومي.
ولم تتحوّل الحربُ الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، التي بدأت أواخر فبراير الماضي، إلى حرب أبدية حتى الآن، لكنها دخلت شهرَها السادس، بعدما وصفها ترامب في البداية بأنها «مغامرة» لن تستمر سوى بضعة أسابيع. كما مضى شهران على إعداد مذكرة تفاهم مع طهران، وصفتها إدارة ترامب آنذاك بأنها «اختراق تاريخي»، وقيل إنها تضمن عدم حصول إيران على سلاح نووي، وتعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، وتكرّس مبدأ «أميركا أولاً».
لكن الاتفاق انهار في يوليو، واستأنفت إيرانُ هجماتِها على السفن التجارية العابرة لمضيق هرمز، مدعيةً أن الصياغة الغامضة للمذكرة أقرت بسيطرتها على الممر المائي الحيوي! ثم أمر ترامب لفترة وجيزة باستئناف الضربات الجوية الأميركية.
ولا تزال إيران تشن هجماتٍ متفرقةً على السفن وتتحدث عن سيادتها على المضيق! وكان الاثنين الماضي هو الموعد المُحدد في المذكرة للتوصل إلى اتفاق شامل للسلام وحرية الملاحة ونزع السلاح النووي، لكن ذلك الموعد مرَّ دون تعليق رسمي. وصرح ترامب بعدها بأنه «لا توجد أي محادثات أو حوارات جارية أو مُقررة».
ومع تعثر جهود إنهاء الحرب مع إيران، كان ترامب يأمل أن يحمل الأسبوع الحالي أخباراً إيجابيةً بشأن الصراع الآخر الذي يسعى إلى حله، أي الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة. وكشف ترامب للمرة الأولى عن خطته لنزع سلاح «حماس» وإعادة إعمار القطاع وتنميته، في سبتمبر 2025، ضمن مبادرة دبلوماسية حققت نجاحين مبكرين واضحين، وهما إنهاء الحرب الشاملة في غزة وتأمين إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين.
لكن «مجلس السلام» الذي أنشأه ترامب، برئاسته، لتنفيذ الخطة، لم يحقق تقدماً ملموساً في أي من البنود الأساسية للخطة نفسها، وهي نزع سلاح «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، ونقل السيطرة إلى تكنوقراط فلسطينيين تدعمهم قوة أمنية دولية.
وفي نهاية الشهر الماضي، بدا أن هذا الوضع تغيّر، فقد أعلن ترامب عبر منصته «تروث سوشيال» أن «مجلس السلام توصل إلى اتفاق تاريخي لنزع السلاح الكامل من حماس وجميع الجماعات المسلحة الأخرى في غزة»، ووصفه بأنه تطور مذهل وخطوة هائلة نحو السلام والأمن الدائمين. وهو ما مهد الطريقَ لمتابعة المحادثات الأسبوع الجاري، والتي كان يُفترض أن تقدم صورة أكثر تفاؤلاً في مواجهة الجمود بشأن إيران. وقاد مبعوث ترامب، جاريد كوشنر، وفداً من مجلس السلام في محادثات مع «حماس» في القاهرة، الأحد، ثم التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاثنين.
وكانت «حماس» قد وافقت بالفعل على بند نزع السلاح، تحت ضغوط كل من مصر وتركيا وقطر. لكن مسؤولين في الحركة اشترطوا تنفيذ إسرائيل بنود وقف إطلاق النار المبرم في أكتوبر 2025. وفي المقابل، لم تنسحب إسرائيل تدريجياً من نحو نصف مساحة غزة التي تسيطر عليها، بل وسعت نطاق سيطرتها، كما واصلت شنّ الغارات الجوية، قائلة إنها تستهدف عناصر من «حماس»، ما أدى إلى مقتل المئات.
وحققت محادثاتُ هذا الأسبوع في إسرائيل بعضَ التقدم، فبعد أن رفض نتنياهو في البداية خطةَ نزع السلاح والانسحاب المؤلفة من 15 بنداً، تمكن كوشنر من إبقاء الباب مفتوحاً أمام إمكانية المضي قدماً. واتفق الطرفان على تشكيل مجموعات عمل لبحث سُبل نزع السلاح، إلى جانب البنية التحتية للصرف الصحي في غزة التي دمرتها الحرب.
لكن نتنياهو يركّز حالياً على الانتخابات العامة الإسرائيلية المقررة في أكتوبر المقبل. ومع إظهار استطلاعات الرأي أن غالبية الإسرائيليين تريد رحيله، فمن غير المرجح أن يخفف موقفَه بشأن نزع سلاح «حماس»، وهو موقف يؤيده حتى الكثيرُ من خصومه.وفي اليوم التالي لمحادثات كوشنر، قصفت طائراتٌ إسرائيلية مقهى قرب ساحل غزة على البحر المتوسط، مستهدفةً عضواً في «حماس» قالت تل آبيب إنه شارك في هجمات أكتوبر 2023. وأسفر القصف عن مقتل ستة أشخاص وإصابة أكثر من 12 آخرين.
*كاتب متخصص في الشؤون الدولية والدبلوماسية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»
إقرأ المزيد


