النُّبوة والإمامة.. والنزاع الطائفي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تتفق طوائف المسلمين كافة على أصول الإسلام: التوحيد والرسالة والمعاد، وزاد آخرون عليها، فدخلت الإمامة والعدل مثلما هو الحال عند الشيعة الإمامية، والمنزلة بين المنزلتين والوعد والوعيد كما هو الحال عند المعتزلة. وفي الوقت الذي شغل بعض المسلمين تأكيد أو إثبات النُّبوة، انشغل بعضٌ آخر منهم بإثبات الإمامة، دون إنكار الرسالة أو أصل النبوة. فماذا يعني ذلك فكرياً وعقدياً؟ يعني أن كل مسلم يقر بالنبوة، وكل شيعي يسلّم بالأصول الثلاثة مع إضافة أصل الإمامة.
لقد صبَّ علماءُ السُّنَّة كلَّ جهودهم على إثبات النّبوة، وكم مِن كتاب صدر تحت عنوان «دلائل النُّبوة»، وكُتب السيرة النبوية لا تُعد ولا تُحصى لغزارتها، وكلها تقدّم هذه الدلائل، والسَّبب ليس لعدم ثباتها، وإنما ظهور المئات من مدعي النبوة، خصوصاً في العصر العباسيّ. ولإبطال ادعاءاتهم ولصد محاولات التَّشكيك في النبوة، لم تنقطع جهود التأليف حولها.
 ويأتي التأليفُ أيضاً لنقض دعوى وجود الإمامة كمتلازمة للنبوة، وانطلاقاً من الأثر «لا نبيّ بعدي»، ظهر بطلان ادعاءات النبوة. وكذلك ظهرت فكرة الإمامة، بالاعتماد على ما يُروى مِن أن النَّبيّ، صلى الله عليه وسلم، قال لعلي بن أبي طالب: «أفلا ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» (الطَّبريّ، الرّياض النَّضرة في مناقب العشرة)، فاتُّخذ هذا الأثر ضمن براهين الإمامة أو نشأة فكرتها.
كما صار لدى رجال الشّيعة كمٌ هائل مِن الرِّوايات لتثبيت الإمامة، وانشغلوا بها، فكم مِن كتاب صدر تحت عنوان «الإمامة». شَكّلَ هذا التَّقابل المتعاصران العلامة الشيعي ابن المطهر الحليّ (726 هـ)، وشيخ الإسلام السُّنيّ ابن تيميَّة (728 هـ). شغلت الحِلِّيّ الإمامةُ، فصنّف «منهاج الكرامة في معرفة الإمامة»، بينما ردَّه ابن تيميَّة بكتاب «مناهج السّنَّة النَّبوية».
صار الحديث عن الإمامة مقترناً بالحديث عن النُبوة، حتَّى قيل: «مثل النُّبوةِ صيَّرت في معشرٍ/ فكذا الإمامةُ صيَّرت في معشرٍ»، ويُعلق صاحب كتاب «المَجدي» على هذا القول: «وهذا كلام حَسن، وحجَّةٍ قوَّية، لأنَّ حاجة النَّاس إلى الإمام كحاجتهم إلى النَّبيّ» (العُمري، المجدي في أنساب الطَّالبيين)، وهذه الحاجة يقرّها علماء السّنة من دون جعلها أصلاً مِن الأصول.
كان السَّبب هو أنَّ الإمامة أصل مِن الأصول عند المعتقدين بها، لكنَّ نُفاتها هم الأكبر نسبة بين المسلمين جميعاً، فتراهم بحاجة إلى إثباتها في هذا الوسط الكثيف، وحتَّى في داخل فرق المقرِّين بها كأصل مِن أصول الإسلام، للاختلاف في المقالة، فالإمامة عند الزَّيديين غيرها عند الإسماعيليين، وعند الإثني عشريَّة. 
ومَن يقرأ كتاب «فرق الشّيعة» للحسن بن موسى النُّوبختي (القرن الثَّالث الهجري)، الذي انتقد الغلاة الشيعة في مضمون كتابه، سيجد أنَّ مفهوم وطبيعة الإمامة كلَّ يومٍ في شأنٍ، فكلما مات إمام ظهر اِنشقاق بين الأتباع على إثباته. بينما الخلافة عند السُّنة ظلّت ثابتة، لم يحدد شخص ما لها، بل حددت شروطها، وهي مِن الفروع لا الأُصول، لا تحتاج إلى اجتهاد في تنظيمها، ولا تؤرقهم، لأنَّ طرقها تبدو واضحة دنيوية، تنظمها كتب الخراج والأحكام السُّلطانية.
 لهذا اعتنى علماء السُّنة بدلائل النُّبوة وإثباتها، فهي مِن العقيدة، ولا يجوز عندهم قرنها بالإمامة، مثلما هو الحال عند الطرف الآخر، نقصد الرَّبط بين النُّبوة والإمامة أي اعتبار الأخيرة امتداداً للأولى، بينما اعتنى الشيعة بإثبات الإمامة. وعلى هذا الخلاف شيّد النزاع الطائفي حتى يومنا الحاضر، وفي الأغلب بدأ مع طلائع القرن الرابع الهجري، حينما أشتد التأليف في إثبات النبُّوة أوإثبات الإمامة، وكلما تقدم الزَّمن تراه يخرج عن الكتب الأولى، عندما أخذ يُعبر عن هذا الخلاف بالسب واللعن والتكفير، فازدادت الهوة بين الطرفين، حيث ينطفئ النزاع ويشتعل بين فترة وأخرى.
*كاتب عراقي



إقرأ المزيد