حين تتغير البيئة.. تظهر القدرة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في إحدى الزيارات، وبعد الاطلاع عن قرب على حياة أصحاب الهمم، وما تحقق من إنجازات في تعليمهم وتأهيلهم وعملهم واستقلاليتهم، وما بلغته مشاركتهم وإسهاماتهم في المجتمع والتنمية، وُجّه إليَّ سؤالٌ: هل هناك مَن لا يزال يستخدم مسمى «ذوي الإعاقة»، أو يناديهم به؟

استوقفني السؤال، ربما لأنه جاء بعد رؤية الإنجاز، لا قبلها، بعد أن أصبحت قدرات أصحاب الهمم ومشاركتهم في المجتمع والتنمية واقعاً يُرى ويُلمس. لذلك لم أتعامل معه بصفته سؤالاً عن مسمى فحسب، بل كسؤال يفتح باباً أعمق للتفكير. لمصطلح «الأشخاص ذوو الإعاقة» أساس حقوقي دولي، وهو المصطلح الذي اعتمدته اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

المصطلح جاء في سياق تحول عالمي مهم، نقل النظرة إليهم من متلقين للرعاية إلى أفراد يتمتعون بحقوق كاملة، ولهم الحق في المشاركة والاستقلال وتكافؤ الفرص. وقد تكون لدى الإنسان حالة بدنية أو حسية، لكن أثرها في حياة الإنسان يتغير تغيراً كبيراً تبعاً لما يحيط به: مدرسة مهيأة أو غير مهيأة، وتقنية متاحة أو غير متاحة، وفرصة عمل مفتوحة أو مغلقة، ومجتمع يتوقع منه الإنجاز أو عدم الفعل.

وعندئذٍ يتغير السؤال، فبدلاً من أن نسأل: ما الذي لا يستطيع هذا الشخص فعله؟ نبدأ بالسؤال: ما الذي يمنعه من فعله؟ والفرق بين السؤالين يعكس اختلافًا في فلسفة العمل والسياسات والتشريعات، وفي الطريقة التي نصمم بها المجتمع والخدمات المحيطة بالإنسان. ومن هذه الزاوية أفهم التجربة الإماراتية في اعتماد مسمى «أصحاب الهمم»، لا بصفته إنكاراً لوجود الإعاقة، أو بديلاً عن الحقوق والالتزامات المرتبطة بها، وإنما تعبيراً عن الإيمان بالإنسان وقدرته، فحين تتغير نقطة البداية من العجز إلى القدرة، تتغير معها طريقة تصميم الخدمات والتعليم والتأهيل وفرص العمل والأنشطة الرياضية والثقافية، وتتغير قبل ذلك كله توقعات الأسرة والمجتمع. وربما لهذا المعنى امتداد أعمق في ثقافتنا وديننا.

ومن المعاني التي تستوقفني في قصة عبدالله بن أم مكتوم -رضي الله عنه- أن فقدان البصر لم يحجب مكانته أو دوره في المجتمع، فقد كان مؤذِّناً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وثبت أن النبي استخلفه على المدينة ليصلي بالناس إماماً. وأن نَصفَ حالة الإنسان شيء، وأن نختصر الإنسان في حالته شيء آخر. ويتجاوز الأمر هنا نظرتنا إلى صاحب الهمة نفسه، ليصل إلى مسؤوليتنا عن البيئة المحيطة به.

وبعد سنوات من العمل مع أصحاب الهمم، أصبحت أرى أن ما يصنع الفارق في حياة الإنسان ليس الخدمة وحدها، ولا التشريع وحده، ولا التقنية أو التعليم بل منظومة تؤمن أولاً بأن لديه قدرة تستحق أن تجد طريقها.

وعندئذ يصبح السؤال أعمق: كيف نرى الإنسان؟ وماذا نتوقع منه؟ وماذا نتيح له حتى يُظهر ما يستطيع فعله؟ وما رأيناه من أثر التعليم والتأهيل والتقنية وفرص العمل والتشريعات الداعمة في حياة أصحاب الهمم يؤكد أن مسؤوليتنا اليوم تتجاوز اختيار المسمى إلى بناء البيئة التي تمنح الإنسان المجال لاستخدام قدراته، والإسهام بها في مجتمعه وتنميته، فكل حاجز نزيله لا يمنح صاحب الهمة قدرةً لم تكن لديه، بل يفتح الطريق أمام قدرة كانت موجودة وتنتظر فرصتها.

عبدالله عبدالعالي الحميدان*

*الأمين العام لهيئة زايد لأصحاب الهمم
 



إقرأ المزيد