جريدة الإتحاد - 9/21/2026 9:16:37 PM - GMT (+4 )
ما الذي يبقى من الثروة بعد إنفاقها؟ الوفرة تتيح شراء أشياء كثيرة، لكنها لا تضمن أن يتكوّن، من خلال شرائها، مجتمع يستطيع إنتاج شروط استمراره. وقد تنقضي فرصة تاريخية تاركة وراءها منشآت تحتاج إلى موارد جديدة لإدامتها، أو تترك معرفة ومؤسسات وخبرات تستطيع أن تخلق فرصاً لم تكن متاحة من قبل. وبين الاحتمالين تقع مسألة الدولة: قدرتها على أن تجعل ما هو مؤقت في شروط نشأتها مصدراً لما يمكن أن يستمر ويتجدد.
من هذه الزاوية أقرأ تجربة الإمارات، وأرى أن أهميتها تتجاوز ما يظهر منها في عمران المدن وحركة الاقتصاد. إنها تثير سؤالاً عن إمكان التصرف في الشروط التي يمنحها التاريخ، وعن المسافة بين امتلاك المورد وامتلاك القدرة على تحويله. فالنفط مورد قابل للنفاد، والموقع الجغرافي تتغير قيمته بتغير طرق التجارة والتقنية وموازين القوة، وحتى الاستقرار يحتاج إلى عمل متواصل يحفظ أسبابه. وما يستحق النظر هو الكيفية التي تنتظم بها هذه العناصر في تجربة تتطلع إلى بناء قدرة تتجاوز الاعتماد على كل عنصر منها منفرداً.
أسمي هذا السؤال، وما يمكن أن يتولد عنه من تفسير، «فكرة الإمارات». وأقترح قراءتها من خلال فرضية محددة: تتعزز قدرة الدولة على الاستمرار بقدر ما تستطيع تحويل مواردها إلى مؤسسات ومعرفة وعلاقات منتجة، ثم تمكين هذه العناصر من التعلم والتجدد. وبذلك يصبح قياس النجاح متعلقاً أيضاً بما تتركه كل مرحلة من قدرة على خوض المرحلة التالية.
يقتضي هذا المدخل إعطاء الثروة وزنها الحقيقي. فالمال يوسع الخيارات، ويتيح تحمل كلفة التجريب، ويمنح الإدارة وقتاً لا تملكه دولة أخرى تحاصرها الحاجات العاجلة. لكن السؤال الحاسم يتعلق بما إذا كانت الموارد تخفف كلفة التعلم وتساعد على بناء الكفاءة، أم تؤجل الحاجة إليهما.
في التجربة الإماراتية، أرى أن المدخل إلى فهم هذا التحويل يبدأ من الاتحاد نفسه. فقد أتاح قيام الدولة الاتحادية تنظيم المصالح المشتركة ضمن كيان سياسي جامع، مع بقاء مجالات للاختصاص والعمل المحليين، وهي علاقة يؤطرها دستور دولة الإمارات. وتستحق هذه الصيغة أن تُقرأ بوصفها معالجة لمسألة أعمق من توزيع المهام الإدارية: فالاتحاد يصبح منتجاً حين يمنح أجزاءه بعضها بعضاً إمكانات لم تكن لتملكها منفردة، وحين يكون في بقاء الخصوصية ما يضيف إلى القدرة العامة. هنا تتحول المبادرة المحلية إلى مصدر معرفة، ولتعدد المسارات أن يوسع الخيارات المتاحة للدولة.
وفي الاقتصاد، على سبيل المثال يستمد الميناء جانباً من قيمته من كفاءة ما يقع خارج حدوده: النقل والجمارك والتمويل والقواعد المنظمة للعمل. وقد يكون الاستثمار في منشأة حديثة محدود الأثر إذا ظلت الصلات بينها وبين محيطها ضعيفة. أما حين تتحسن تلك الصلات، فإن كل عنصر يرفع فاعلية العناصر الأخرى.
يمكن هنا الاستفادة من مفهوم «الدولة المنصّة»، بمعنى الدولة التي تهيئ شروطاً تسمح للمبادرات بأن تنشأ وتتصل وتتوسع. فوظيفتها تشمل بناء البيئة التي يستطيع فيها الآخرون أن يعملوا بقدر معقول من الثقة في القواعد والتوقعات. لكن هذا المفهوم يظل جزئياً، إذ إن الدولة تتحمل مسؤوليات تتجاوز جذب رأس المال وتيسير أعماله.
وتتعمق التنمية حين تؤدي فاعلية الدولة إلى توسيع القدرة على المبادرة خارج أجهزتها، وحين تتكون معرفة وخبرات يمكنها أن تقترح وتنتج وتُراجع. وهذا انتقال يتطلب أن تكون العلاقة بين الدولة والمجتمع مجالاً لتبادل المعرفة، وتؤثر في تعريف المشكلات قبل اختيار حلولها.
ولذلك أرى أن الإنجاز يفسر جانباً مهماً من الثقة بالدولة، فالناس يختبرون المؤسسات من خلال ما تتيحه لهم من أمن وخدمات وفرص، ومن خلال قدرتهم على ترتيب حياتهم من دون خوف دائم من الاضطراب. وكلما تكرر الوفاء بالتوقعات، تراكمت الثقة.
إن توجيه النظر إلى أفق مثل «مئوية الإمارات 2071»، بما تتضمنه من أهداف في التعليم والاقتصاد المعرفي وتماسك المجتمع، يضع الزمن الطويل ضمن تصور العمل الحكومي، وفق عرض الخطة في منصة اليونسكو لرصد السياسات.
وهنا يحمل المستقبل معنى أخلاقياً أيضاً. فالأجيال المقبلة لا تشارك في قراراتنا، لكنها سترث نتائجها، من نوع التعليم إلى حال البيئة والموارد وطبيعة المؤسسات. ولنا، بحكم وجودنا الآن، قدرة على تضييق خياراتها أو توسيعها. لذلك فإن تحويل الثروة إلى قدرة يتضمن التزاماً بألا نترك لمن يأتون بعدنا منشآت والتزامات فحسب، وإنما معرفة وموارد ومساحة للاختيار.
وتبرز قضية التعليم هنا بوصفها اختباراً بالغ الدلالة، فقيمة التعليم تتجاوز إعداد الكفاءات للاقتصاد. فالمجتمع يحتاج إلى من يستطيع فهم التحولات التي يعيشها، ومناقشة غاياتها، والتمييز بين ما يتغير فيه وما يستحق الحفظ.
أما التنوع السكاني، فيضع الدولة أمام سؤال يتجاوز تنظيم التعايش اليومي. فالإقامة والعمل والمواطنة تنشئ علاقات مختلفة بالمكان، وتتباين معها الآفاق التي يستطيع الناس أن يتخيلوا حياتهم ضمنها. ومع الإقرار بهذا الاختلاف، يبقى الأمان والاحترام والإنصاف أساساً لاستقرار العلاقة بالحياة المشتركة.
وقد يبدأ مجتمع آخر من إصلاح محدود في خدمة أساسية، أو مؤسسة تعليمية. ويقاس ما يتعلمه من التجربة بقدرته على بناء صلة منتجة بين موارده وحاجاته، وعلى حفظ المعرفة التي يكتسبها في الطريق.
هذا هو المعنى الذي أراه جديراً بالبحث تحت اسم «فكرة الإمارات»: محاولة فهم كيف تتكون قدرة عامة من موارد وفرص متفرقة، وكيف تنتقل هذه القدرة من الاعتماد على لحظة مواتية إلى امتلاك أسباب للتجدد. وعندما نعود إلى السؤال الأول، عما يبقى من الثروة بعد إنفاقها، نجد أن الجواب يتجاوز قيمة الأصول القائمة. يبقى أيضاً ما يستطيع الناس أن يفعلوه حين تتغير الظروف، وما تستطيع المؤسسات أن تتعلمه حين تفاجئها الوقائع، وما يتاح للجيل التالي من خيارات لم يكن ليملكها لولا عمل من سبقه. وفي هذا الأثر الممتد يمكن أن تُقرأ القيمة الأعمق لبناء الدولة: أن يصبح ما ننجزه اليوم مصدراً لقدرة الآخرين على الإنجاز، وأن يرثوا مستقبلاً يملكون المشاركة في صنعه.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


