جريدة الإتحاد - 10/12/2026 8:23:32 PM - GMT (+4 )
على مدى أكثر من أربعة عقود، تعامل النظام الإيراني مع الشيعة خارج حدوده كما لو أنهم امتداد سياسي له، لا مواطنون ينتمون إلى دول ذات سيادة. أراد من المذهب أن يكون أداة ولاء لطهران، ومن الانتماء الديني مدخلاً لاختراق الدول العربية والتحكم بقرارها. ولم يكن ذلك مجرد خطأ في الحسابات، بل مشروعاً منظّماً لتوسيع النفوذ الإيراني على حساب استقرار المنطقة وسيادة دولها. واليوم، تتكشّف نتائج هذا المشروع في دمشق وبيروت وبغداد.
في قلب هذا المشروع تقف نظرية «ولاية الفقيه». ففي إيران، هي أساس نظام الحكم، أما خارجها، فقد تحوَّلت إلى أداة لتجنيد المقاتلين وبناء الولاءات العابرة للحدود. وباسم العقيدة، سعت طهران إلى إقناع لبنانيين وعراقيين وأفغان بأن واجبهم هو القتال في حروب تخدم النظام الإيراني، حتى لو كان الثمن تدمير مدنهم وتهجير عائلاتهم وتقويض مستقبل بلدانهم. وتولى الحرس الثوري تنفيذ هذا المشروع عبر شبكة من الميليشيات، من «حزب الله» في لبنان إلى الفصائل المسلحة في العراق وسوريا واليمن. ولا بد من قول ذلك بوضوح: ولاية الفقيه ليست التشيع، وطهران لا تمثل الشيعة.
لقد استغل النظام الإيراني مذهباً دينياً لبناء مشروع سياسي توسعي، ثم تصرف كما لو أن ملايين الشيعة في المنطقة مدينون له بالطاعة.
والحقيقة أن كثيراً من ضحايا هذا المشروع كانوا من الشيعة أنفسهم. فقد زُجّ بأبنائهم في حروب لا تخدم أوطانهم، ودُمرت قراهم ومنازلهم، وطُلب منهم دفع أثمانٍ باهظة مقابل نفوذ لا يعود عليهم إلا بالخسارة. سوريا هي الشاهد الأوضح على هذا الفشل.
فمنذ عام 2011، أنفقت إيران، وفق تقديرات، نحو 30 مليار دولار لإنقاذ نظام بشار الأسد. وأرسلت مقاتلي حزب الله والميليشيات العراقية، وجندت أفغاناً وباكستانيين شيعة في لواءي «فاطميون» و«زينبيون»، مستفيدة من فقر بعضهم وحاجتهم إلى الرواتب والإقامة. سقط الآلاف، وتحولت سوريا إلى ساحة حرب مفتوحة، فيما واصل النظام الإيراني ضخ الأموال والسلاح دفاعاً عن حليف يخدم مصالحه. ثم سقط الأسد في ديسمبر 2024 خلال أيام. كل تلك الأموال والميليشيات والتضحيات لم تنقذ النظام، ولم تحمِ النفوذ الذي بنت عليه طهران حساباتها الإقليمية. وتبدّد معها مشروع الممر البري الذي أرادت إيران من خلاله ربط أراضيها بالبحر المتوسط عبر العراق وسوريا ولبنان. أما السوريون، الذين دفعوا ثمن سنوات من الحرب والتدخل الخارجي، فلم يكونوا بحاجة إلى مزيد من الشعارات عن المقاومة ليعرفوا ما خلّفه هذا المشروع وراءه.
وفي لبنان والعراق، تتكرر الكُلفة نفسها. فقد تفاخر مسؤولون إيرانيون ذات يوم بنفوذ بلادهم في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، في تصريح يكشف نظرتهم إلى العواصم العربية باعتبارها ساحات نفوذ لا دولاً مستقلة. لكن «حزب الله» دفع ثمناً عسكرياً وسياسياً باهظاً، وتحملت عائلات لبنانية، وبينها عائلات شيعية، تبعات الحروب والدمار والنزوح.
وفي العراق، لا يزال مطلب حصر السلاح بيد الدولة يصطدم بوجود فصائل مسلحة تدين بالولاء لمرجعيات وارتباطات تتجاوز حدود البلاد. لقد آن الأوان لإنهاء هذه المعادلة: لا يجوز أن تكون الدولة رهينة ميليشيا، ولا أن يصبح المواطن وقوداً لمشروع إقليمي، ولا أن تُستخدم الطائفة لتبرير التدخل في شؤون الدول. ومن حق العراقيين واللبنانيين والسوريين أن يقرروا مستقبلهم بأنفسهم، بعيداً عن وصاية طهران وحساباتها.
والمشكلة هنا أعمق من تراجع ما يسمى «محور المقاومة». فهذا الاسم الذي رُوّج له طويلاً لم يغيّر حقيقة أن شبكة الميليشيات كانت أداة لبسط النفوذ الإيراني، وأن شعاراتها لم تمنع الحروب أو تحمِ المجتمعات التي ادعت الدفاع عنها. لقد راهنت طهران على أن المذهب سيضمن الولاء، لكنها تجاهلت حقيقة أساسية: الشيعي اللبناني ليس إيرانياً، والشيعي العراقي ليس تابعاً للدولة الإيرانية، ولا يحق لأي نظام أن يُصادر هوية الآخرين أو يتحدث باسمهم لمجرد اشتراكهم معه في المذهب. وفي الإمارات، اصطدم هذا المشروع بجدار منيع. ففي مارس، أعلنت السلطات الأمنية اعتقال شبكة يُشتبه في ارتباطها بإيران و«حزب الله».
وفي أبريل، أعلنت القبض على 27 شخصاً اتُّهموا بتشكيل تنظيم سري مرتبط بالحرس الثوري الإيراني. وقالت السلطات إن المجموعة عقدت اجتماعات سرية، ونقلت أموالاً إلى الخارج، وسعت إلى تجنيد شباب إماراتيين والتغلغل في مواقع حسّاسة. لكن الرهان على شق المجتمع الإماراتي طائفياً أخفق هو الآخر. فالإمارات ليست ساحة مفتوحة للمشاريع الخارجية، ومواطنوها ومقيموها ليسوا أدوات في صراعات الآخرين. يعيش على أرضها أكثر من 200 جنسية، وتقوم تجربتها على أن يكون القانون والانتماء إلى الوطن أساس العلاقة بين الناس، لا المذهب أو الطائفة.
وفي أبوظبي، احتشدت جموع غفيرة للمشاركة في فعالية الجري تحت شعار «حصّنتك يا وطن»، في مشهد جسّد روح التلاحم الوطني والالتفاف حول الوطن. ووقف المواطنون والمقيمون الشيعة إلى جانب بقية أبناء المجتمع، ولم يسمحوا لطهران أو لغيرها بأن تفرض عليهم صراعاً لا يمثلهم. وهذا هو الرد العملي على الادعاء بأن الانتماء المذهبي يمكن أن يتقدم على الولاء الوطني، أو أن إيران تملك حق تمثيل الشيعة أينما كانوا.
وقد أخطأ النظام الإيراني إذ اعتقد أن التنوع الإماراتي نقطة يمكن استغلالها. فالتنوع الذي تحميه دولة قوية ومؤسسات راسخة ليس مدخلاً للانقسام، بل مصدر قوة. ولا يحتاج الإماراتي الشيعي إلى وصاية من طهران، كما لا يحتاج أي مواطن أو مقيم إلى أن يثبت ولاءه لوطنه وفق معايير يضعها نظام أجنبي. وتستحق قيادة الإمارات، برئاسة سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، كل التقدير على حماية الدولة وكل من يعيش على أرضها، وعلى التمسك بنموذج وطني لا يميِّز بين الناس على أساس الدين أو المذهب أو الجنسية. وفي وقت راهنت فيه قوى إقليمية على الانقسام، أثبتت الإمارات أن تماسك المجتمع لا يُشترى بالشعارات، بل يُبنى بالأمن والعدل وسيادة القانون. لقد ألحقت طهران أضراراً جسيمة بدول المنطقة وهي تحاول توسيع نفوذها تحت غطاء مذهبي. وأثبتت التجارب أن الميليشيات لا تبني دولاً، وأن تصدير العقائد السياسية لا يصنع ولاءً حقيقياً، وأن الشعوب لا تقبل إلى الأبد أن تكون رهينة لمشاريع الآخرين.
أما الدرس الأهم، فهو أن الشيعة ليسوا ملكاً لإيران، كما أن أي طائفة أخرى ليست ملكاً لأي دولة خارج حدودها. ومن حق كل شعب أن يختار مستقبله بعيداً عن الوصاية والتدخل الخارجي. لقد أرادت طهران أن تجعل المذهب جسراً إلى العواصم العربية، فإذا به يتحوَّل إلى أحد أسباب عزلتها. وأرادت أن تجعل الميليشيات دليلاً على قوتها، فإذا بها تكشف عجزها عن بناء نفوذ مستقر. أما الإمارات، فقد أثبتت أن قوة الأوطان تكمن في سيادتها وتماسك مجتمعاتها، لا في تصدير الانقسام إلى الآخرين.
*مستشار برلماني
إقرأ المزيد


