جريدة الإتحاد - 10/15/2026 10:34:37 PM - GMT (+4 )
يحظى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإعجاب وإطراء كبيرين من جانب نظيره الأميركي دونالد ترامب. وهو الأمر الذي برز بوضوح خلال ولاية ترامب الأولى، حيث بدا خلال قمة هلسنكي، وكأنه يمنح إنكار الجانب الروسي أهميةً أكبر من النتائج التي توصلت إليها وكالات الاستخبارات الأميركية بشأن «تدخل موسكو في انتخابات عام 2016».
وخلال ولايته الثانية، واصل ترامب التعامل بتودّد واهتمام مع روسيا، رغم استمرار الحرب الروسية ضد أوكرانيا والتكلفة البشرية الهائلة لهذه الحرب وما صاحبها من سيطرة روسية على أراضٍ أوكرانية. وكرّر ترامب ترامب قوله بأن موسكو ما كانت لتشن الحرب لو كان هو نفسه رئيساً للولايات المتحدة في فبراير 2022، كما وعد بإنهاء الحرب سريعاً بعد عودته إلى البيت الأبيض عام 2025. لكن ذلك لم يحدث، بل استمر الصراع في التأثير على أسواق الطاقة، مما زاد الضغوط على المستهلكين.
ومع دخول الحرب الدائرة مع إيران شهرَها التاسع، ارتفعت تكاليفُ الطاقة أكثر، وأصبحت تُشكّل مصدراً للقلق السياسي لترامب. ويبدو أنه عازم على إيجاد سبل لخفضها، خشيةَ أن تؤدي الأسعارُ المرتفعةُ إلى إضعاف موقف حزبه في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل. ولهذا، حثّ أوكرانيا على وقف حملتها الفعالة باستخدام الطائرات المسيّرة ضد البنية التحتية للطاقة في روسيا، ولا سيما منشآت تكرير النفط. كما أعلنت إدارتُه عن تخفيف مؤقّت للعقوبات المفروضة على صادرات الديزل الروسية، بحجة أن توفير إمدادات إضافية قد يساعد في خفض الأسعار في الأسواق العالمية.
وأثار القرارُ انتقاداتٍ حادةً، إذ اتُّخذ من دون التشاور مع أوكرانيا أو الحلفاء الأوروبيين، كما شكّك فيه أعضاءٌ من حزب ترامب نفسه، ولا سيما على ضوء تحرك الكونغرس مؤخراً نحو تشديد العقوبات على صادرات الطاقة الروسية. ويُشكّك المنتقدون في أن يؤدي تخفيفُ القيود إلى خفض الأسعار بدرجة ملموسة على المدى القصير، فضلاً عن تحقيق ذلك في الوقت المناسب للتأثير على الناخبين قبل انتخابات التجديد النصفي. لكن اعتراضهم الأعمق يتعلق بالاستراتيجية، إذ إن السماح لروسيا بتحقيق مزيد من الإيرادات من صادرات الطاقة قد يوفّر لها موارد إضافية لتمويل حربها ضد أوكرانيا.
وأثار ترامب غضب بعض «الجمهوريين» والقادة الأوروبيين أيضاً، بدعوته روسيا إلى حضور قمة مجموعة العشرين المقررة العام الجاري، التي تستضيفها الولايات المتحدة في أحد منتجعات ترامب بولاية فلوريدا. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان الرئيس الروسي سيقبل الدعوةَ. لكن مجرد توجيهها أثارَ تساؤلاتٍ بشأن الرسالة التي تبعث بها واشنطن إلى دولة لا تزال تخوض حرباً كبرى في أوروبا، وإلى حلفاء تحمّلوا جزءاً كبيراً من تبعات تلك الحرب.
فلماذا يبدو ترامب بتلك الأريحية الكبيرة في التعامل مع دولة ترى حكوماتٌ ومراقبون كثيرون أنها مسؤولةٌ عن الحرب الجارية في جزء من القارة. وهناك عدة تفسيرات محتملة، أولها أن ترامب يولي أهميةً خاصةً للدول التي تستعرض قوتَها. وثانيها أن ترامب يتعامل مع العلاقات الدولية بمنطق الصفقات والمصالح المتبادلة، وهو يرى، ضمنياً، أن على الولايات المتحدة التعامل مع القادة الأقوياء، لأنهم يسيطرون على أراضٍ وموارد وقرارات استراتيجية لا تستطيع واشنطن تجاهلها. كما أولت إدارتُه اهتماماً واضحاً لترسيخ الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي، مما يثير تساؤلات بشأن مدى الأولوية التي يمنحها للحفاظ على التحالفات الأميركية في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
وقد تفسِّر تلك الأسباب جزءاً من نهج ترامب، لكنها لا تحسم المسألة. وسيدرس المؤرخون علاقته مع بوتين بعد فترة طويلة من مغادرته منصبه في عام 2029، محاولين الموازنة بين الدبلوماسية الشخصية والحسابات الاستراتيجية والنتائج العملية لسياساته. وفي الوقت الراهن، تظل سياستُه تجاه روسيا واحدةً مِن أكثر جوانب رئاسته إثارةً للجدل، إذ يكمن الاختبارُ الجوهري في معرفة ما إذا كانت الجهود الرامية لتحقيق مكاسب اقتصادية أو دبلوماسية قصيرة الأجل ستُضعف موقفَ أوكرانيا وتقوّض ثقةَ حلفاء الولايات المتحدة بها.
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز ناشونال انترست - واشنطن
إقرأ المزيد


