صراع العناصر الخاملة والجذر التكعيبي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

عادينا مدرس الكيمياء ومادته حينما عَدّنا من العناصر الخاملة، وكنا على غير وفاق مع مدرس الفيزياء ومادته التي فيها كل العلوم ما عدا الأدب، مثلما كنا على غير ود مع مدرس الرياضيات حين ظل يهددنا بالجذر التكعيبي، ونحن والجذر التكعيبي لنا قصة، نبدو دوماً مثل «الجني والعطبة»، خاصة أنا الذي لا أكن له محبة صادقة، ولا هو يبدو عليه تلك المودة، فبسببه عانيت كثيراً في المدرسة، وعنّفت، وتنمرت، ولَم أصدق أنني أنهيت الصفوف الإعدادية، وأنا أتعكز على مواد مثل الرياضيات والكيمياء والفيزياء، ففي الكيمياء كنت مع بعض الزملاء نمثل العناصر الخاملة، فقد كان مدرساً ضعيف البنية جداً، لكنه يفهم كثيراً في الكيمياء، غير أنها كمادة لم تعنه في زيادة وزنه كيلوجراماً واحداً في أبوظبي خلال سنوات عمله، فأيقنا نحن العناصر الخاملة أن الكيمياء لا فائدة ترتجى منها في مجالدة الحياة، خاصة تلك العناصر المسماة بالعناصر اللافلزية، لأنها لم تطعم يوماً شخصاً مخلصاً لها مثل الأستاذ أحمد، والأمر ذاته مع الفيزياء، فالمدرس حسان كان يشبه جريدة نخل رفعاً، ودائماً حار كقرن فلفل أحمر، ويريد من كل العرب أن يفهموا بسرعة، غير أننا لم نفهم منه إلا الإزاحة، وكلمة «شاقولياً»، والمادة الثالثة المضادة لطموحاتي الكبيرة كانت الرياضيات، خاصة الجذر التكعيبي، فالمدرس فايز، والذي وصلنا وهو مغيض علينا دون أن ندري سبباً مباشراً لذلك، حتى اعتقدنا في البداية أن غيضه هذا من شدة الحر و«الشوب» والرطوبة العالية في أبوظبي، لكن يبدو أن غيضه هذا منذ أيام النكبة، ولا دخل لنا فيه، لذا كنت أود حرق المراحل لأدخل القسم الأدبي منذ الصفوف الابتدائية، هرباً وفراراً من الجذر التكعيبي الذي يشبه عدواً وضعته الجغرافيا في طريقي التاريخي.
وما سبب دخولي دنيا الأدب والإعلام إلا خوفاً من الجذر التكعيبي، وما يترتب عليه من صداع نصفي، ولولاه لكنت أريد أن أعمل صيرفياً مثلاً، لأكون فقط العضو المنتدب في مجلس إدارة لمجموعة قابضة لأول مرة في حياتي، رغم يقيني أنني أجهل طبيعة عمله بالضبط، لكنني ما إن أتذكر المكاتب الباردة على الدوام، ورائحة الورق النقدي الجديد الذي يشبه رائحة احتراق عجلات سيارة قديمة في الطريق السريع، والذي رؤيته لا تجعلني حريصاً جداً على تأدية سُنة صلاة الضحى، وتخوفي الدائم من الجذر التكعيبي الذي يمكن أن يظهر لي فجأة في أي معاملة حسابية بسيطة.
كذلك كان بين الأمنيات أن أدرس الفلك، لأنني أعشقه بصدق، وأحب السباحة فيه بالأحلام الجميلة، وقطف عميق الإيمان بروحي الصوفية المحلقة، والذي يحيط بي كإنسان من كل جانب، فلما أصبح الفلك غير التجلي والوجد وتلك الروحانية الهائمة، وغدا حسابات وفراغات، وفيها الجذر التكعيبي، اكتفيت بمراقبة النجوم عن بُعد أو تأملها على كتف ضابط شرطة.
كان يمكن للجذر التكعيبي أن يكون معيناً لي في الحياة، لكن إعلانه التمرد على عقلي الطيب الذي يحب الخير والإحسان للعجائز والأرامل، ويتمنى الحب للجميع، ويحرّض عليه، جعلني أتخذ قراراً أعدّه صائباً تجاهه، هو أن لا أدخله في حياتي الخالية من أرقام، المليئة بالحروف والأحلام، فما ضر يومي لو أنني ابتدأته بالحمد والبسملة، وخبأت كل ساعاته للنفس غير القلقة، وتركتها تسرح وتغدو في سبحانيتها، لا أرقام تفززها في مناماتها، ولا أسهم طائشة تعترض طريق دروشتها الأخضر، ولا جذر تكعيبياً يريني النجوم في عزّ القائلة!



إقرأ المزيد