التحديث والاغتراب والكونية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

رحل مؤخراً الفيلسوف والأديب والوزير السابق السنغالي «الشيخ حاميدو كان» عن عمر ناهز المائة سنة. في الأقسام الثانوية، درسنا روايتَه الشهيرة «المغامرة الغامضة» التي كتبها بالفرنسية في بداية الستينيات وحولته إلى أحد أشهر الكتاب الأفارقة وأوسعهم تأثيراً. في هذه الرواية يسرد المؤلفُ قصةَ الشاب «صمبا ديالو»، سليل الأسرة الدينية المحافظة في ضفة نهر السنغال، الذي يدخل المدرسةَ الفرنسية وينتقل إلى باريس لتعلّم الفلسفة، فيعيش بعد رجوعه أزمةً فكريةً ونفسيةً عميقةً تقوده إلى الموت. الرواية قريبة من رواية توفيق الحكيم «عصفور من الشرق» ومن رائعة الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، فلا تختلف مغامرة محسن المصري ومصطفى سعيد السوداني عن ملحمة الفتى الفلّاني «صمبا ديالو».

في كل هذه الأعمال الأدبية تحضر القصةُ نفسُها: الاصطدام الإشكالي المعقد بين الحضارة الإسلامية والمجتمع الغربي الحديث، والعجز الصريح عن التوفيق بين هذين الرافدين المتعارضين. صحيح أن بعض الاتجاهات الفكرية والسياسية في عالمنا الإسلامي دعت صراحةً إلى استنبات النموذج الغربي في التفكير والممارسة، شرطاً أوحدَ للتحديث. وكلنا نعرف كتابَ طه حسين الشهير «مستقبل الثقافة في مصر»، الصادر عام 1938، والذي دعا فيه إلى التخلي كلياً عن ثقافة الشرق واعتماد النظام الغربي في كل تفصيلاته شرطاً ضرورياً للتقدم والنهوض، معتبراً أن مصر أوروبية في عقلها ومتخيَّلها ولا صلةَ لها بالشرق.

كانت هذه الرؤية هي أساس تجارب سياسية كبرى أشهرها «الأتاتوركية» في تركيا، و«البورقيبية» في تونس، وبينما استندت أولاهما إلى الهوية الأوروبية تاريخياً وحضارياً، استندت الثانية إلى فكرة الرابطة المتوسطية التي تنبني عليها خياراتٌ مجتمعيةٌ تدفع في اتجاه الغرب. بيد أن الخطاب اليساري الذي سيطر على الأوساط الثقافية منذ خمسينيات القرن الماضي، تبنّى مقاربةَ فك الارتباط مع المركز الغربي، سواء عبر المنفذ الاقتصادي (القطيعة مع المنظومة الرأسمالية وما تقوم عليه من «نمو لا متكافئ» حسب نظرية الاقتصادي المصري المعروف سمير أمين)، أو التحليل الأيديولوجي (فكرة الماركسية الجنوبية لدى المفكر المغربي عبد الله العروي)، في حين اتجه عددٌ من المفكرين والكتّاب إلى نقد الخطاب الاستشراقي من منظور النموذج الشرقي البديل (أنور عبد الملك ومالك بن نبي.. إلخ).

وفي السنوات الأخيرة، صعدت النزعةُ المعادية للكولونيالية (الاستعمار بصفته رؤيةً للعالم)، مستندةً بالخصوص إلى كتاب المفكر والناقد الأدبي الفلسطيني إدوارد سعيد الشهير «الاستشراق»، والذي أثّر بصفة واسعة في الأدبيات الفلسفية والإنسانية اللاتينية الأميركية والهندية والأفريقية. الفروق واسعة بين الخطاب النهضوي المناهض للتغريب في سياق الحركات التحررية ونزعة عدم الانحياز وبين الاتجاهات الراهنة في نقد الكولونيالية. في الاتجاه الأول، تشكّل الثقافةُ عنصراً أساسياً مِن عناصر التحرر الوطني، لا يتعارض ضرورةً مع القيم الكونية الحداثية، وفي الاتجاه الحالي يتم استهداف فكرة الكونية نفسها وتبرز الدعوةُ إلى التحرر من القوالب المعرفية والابستمولوجية للثقافة الغربية. والمفارقة القائمة هنا هي أن نزعةَ العداء للكونية تستند في جوهرها إلى الأدبيات الفلسفية والإنسانية الغربية التفكيكية وما بعد الحداثية، التي قوضت مقومات التنوير الأوروبي من عقلانية أداتية وتاريخانية تقدمية وتحررية اجتماعية. فحين يستورد المفكر العربي أو الإفريقي هذه الأفكار، ينغلق في حوار غربي- غربي لا علاقة له بأوضاعه المجتمعية والتاريخية الموضوعية.

ولا بد هنا من إبراز إشكالين محوريين تطرحهما موجةُ رفض الكونية باسم مواجهة المركزية الغربية، أحدُهما يتعلق بالمضامين الثقافية لحركة التحديث التي لا مناص من الاعتراف بخلفياتها الغربية، وبالتالي يصبح السؤالُ هو: ما الحد الفاصل بين الجانب الكوني الإنساني لحركة التحديث وبين سياقاتها الثقافية الخصوصية؟ أما الإشكال الثاني فيتعلق بالخيار البديل عن واقع كوني أصبح يشكِّل نموذجاً أحادياً للبشرية بكاملها. الإشكالان يصدران عن الخلفية ذاتها، وهي النظر إلى ديناميكية الحداثة كحركة تاريخية موضوعية أو خيار أيديولوجي محدود وظرفي، أو بعبارة أخرى: هل الحداثة مرادفة لحركية التغريب الفكري والاجتماعي أم هي ظاهرة إنسانية كونية قابلة للتأقلم مع مرجعيات ثقافية متباينة؟

قبل سنوات، أصدر الفيلسوف الإيراني المعارض لنظام ولاية الفقيه «داريوش شايغان» كتاباً مثيراً بعنوان «النور يأتي من الغرب»، خلص فيه إلى أن الإنسان الحديث من مختلف البلدان والملل أصبح في تركيبة هويته الخاصة غربياً بمعنى من المعاني، حتى ولو كان الغربُ الحديثُ نفسُه قام على منطق الصياغة التأليفية بين ثقافات العالم ومساراته التاريخية، إلى حد القول إن الغرب ورث الرصيدَ الإنساني المشترك.

*أكاديمي موريتاني
     



إقرأ المزيد