جريدة الإتحاد - 10/19/2026 12:59:47 AM - GMT (+4 )
أصبح الاقتصاد البريطاني أقل استهلاكاً للطاقة بكثير مما كان عليه في الماضي. ففي عام 1975، تطلّب إنتاجُ كل مليون جنيه إسترليني من الناتج المحلي الإجمالي أكثر قليلاً من 200 طن من مكافئ النفط، وفقاً لبيانات حكومية. وبحلول عام 2025، انخفض الرقم إلى 58 طناً.
ويساعد هذا التحول على تفسير تجاوز النمو التوقعات خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، وبقاء التأثير الاقتصادي للحرب مع إيران محدوداً نسبياً حتى الآن.
ويقول ستيفن ميلارد، نائب مدير المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية، إن صدمةَ أسعار النفط لا تُحدث التأثيرَ المتوقع، إذ ترفع تكاليف الشركات المنتجة للناتج المحلي الإجمالي بدرجة أقل بكثير مما كانت ستفعله قبل 10 سنوات.
وتشارك الأُسر والشركات في تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري. وركّبت شركةُ «كرافت هاينز» ألواحاً شمسية في منشأتها بمدينة تلفورد، في منطقة ميدلاندز، لتلبية 13% من احتياجاتها السنوية من الكهرباء. كما تستخدم مضخات الحرارة لخفض استهلاك الطاقة في مصنعها بمدينة ويغان شمالي إنجلترا، الذي ينتج الفاصوليا المخبوزة، وتعتزم الشركة الأميركية توسيع تلك الجهود.
ومع تزايد توليد الشركات الطاقةَ داخل منشآتها، وارتفاع مبيعات السيارات الكهربائية وتراجع استهلاك البنزين والديزل، أصبح النمو البريطاني أكثر كفاءةً وأعلى قدرة على مواجهة صدمة طاقة حادة أخرى.
وأظهرت بيانات صدرت مؤخراً توسُّعَ الناتج الاقتصادي البريطاني على نحو غير متوقع في أغسطس، بقيادة المصانع، رغم تعرّضها الكبير لتكاليف الوقود.
وقال ثيو فيليس، مدير سلاسل الإمداد في المملكة المتحدة وإيرلندا لدى «كرافت هاينز»، إن المصنّعين يحتاجون إلى إمدادات موثوقة من الطاقة بقدر حاجتهم إلى المكونات والمواد، موضحاً أن تغييرات الشركة تستهدف تعزيزَ قدرة عملياتها على الصمود في بيئة متزايدة التقلب.
كما يدفع تغيّرُ مزيج الطاقة بنكَ إنجلترا إلى إعادة تقييم كيفية تأثير التضخم على الاقتصاد. فكلما قلَّ تعرُّض الشركات لارتفاع أسعار الطاقة، تراجعت احتمالات تحميل المستهلكين التكاليف الإضافية، ما يحدُّ من الآثار التضخمية اللاحقة التي يدرسها مسؤولو البنك عند دراسة رفع الفائدة.
وقالت سارة بريدين، نائبة محافظ بنك إنجلترا، الخميس، إن الشركات تعلّمت دروسَ صدمة 2022، وإن كثيراً منها تحوّط من مخاطر ارتفاع أسعار الطاقة، ما يجعل الصدمة الحاليةَ أقل حدةً. وكثفت عدةُ شركات جهودَها للحماية مِن تقلبات الطاقة عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، قبل أن يعزّز الصراعُ الأميركي الإيراني مبررات مواصلتها.
وارتفع تركيب الألواح الشمسية بقوة منذ 2022، وفقاً للبيانات الحكومية، مع سعي منتجي الطاقة المتجددة والشركات إلى خفض النفقات التشغيلية. وأظهر استطلاع لهيئة «ميك يو كيه» الصناعية أن 38% من أعضائها يستثمرون في الطاقة المتجددة ومرافق تخزينها داخل منشآتهم استجابة للصراع في الشرق الأوسط. وتدفع تكاليف الطاقة الصناعية البريطانية، التي تُعد من بين الأعلى في العالم المتقدم، الشركات إلى هذا التحول أيضاً.
وقال باتريك ماثيوسون، كبير مسؤولي السياسات في الهيئة، إن التحول يساعد المصانعَ على تثبيت الأسعار وتقليل اعتمادها على السوق. وامتد التغيير إلى القطاعات الأخرى. ففي مركز «ميري هيل» التجاري قرب دادلي في منطقة ميدلاندز، رُكّبت 2757 لوحاً شمسياً على السطح، بهدف توليد احتياجات المركز من الكهرباء بالكامل من مصادر متجددة.
كذلك ارتفعت مبيعاتُ السيارات الكهربائية العاملة بالبطاريات 30% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما تراجعت مشتريات السيارات العاملة بالبنزين والديزل. وانخفضت مبيعاتُ وقود السيارات بشدة من حيث الكميات، ما يشير إلى تقليل الأُسر القيادة استجابةً لارتفاع أسعار الوقود.
ورغم استمرار الضغوط على الأُسر والشركات بسبب ارتفاع تكاليف النفط والغاز، فإن انخفاض كثافة استهلاك الطاقة مهم، خصوصاً في المرحلة الثانية من صدمة التضخم. وإلى جانب ضعف سوق العمل والاستثمار في الذكاء الاصطناعي، يزيد ذلك صعوبة تقدير مسؤولي الفائدة كيفية انتشار التضخم في الاقتصاد.
ولا يرى البنك المركزي البريطاني حتى الآن أدلة تُذكر على آثار تضخمية ناجمة عن تمرير الشركات التكاليف إلى المستهلكين أو مطالبة العمال بأجور أعلى. ومع ذلك، يتجه عدد متزايد من صانعي السياسات إلى رفع الفائدة الشهر المقبل. وقال المحافظ أندرو بيلي إن تجنب الزيادة يصبح أصعب كلما طال أمد الحرب.
ويزيد ذلك تعقيدُ الأوضاع في سوق السندات أمام وزير الخزانة جون هيلي، الذي سيعلن الموازنةَ خلال أقل من أسبوعين، بينما تدفع توقعاتُ تحركات البنك عوائدَ السندات الحكومية البريطانية إلى الارتفاع.ومع ذلك، قال ديفيد أوين، مؤسس شركة «سالت مارش إيكونوميكس»، إن هيلي ورث اقتصاداً استطاع الصمود أمام الصدمات الخارجية، مضيفاً أن بريطانيا تبدو وكأنها تعافت منها ببساطة.
*صحفي متخصص في تغطية الاقتصاد البريطاني
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


