جريدة الإتحاد - 11/5/2026 11:51:13 PM - GMT (+4 )

في عام 2009 انتُخب «صديق خان»، وزير المواصلات في بريطانيا، رئيساً لبلدية لندن. وبموجب منصبه الجديد كان عليه أن يحلف اليمين على الكتاب المقدّس في قصر باكنغهام بلندن. أثناء الاحتفال سُئل: على أي نسخة من الإنجيل تريد تأدية القسَم؟ ذلك أن هناك عدة نسخ من الكتاب المقدس معتمدة لدى الكنيسة الأنجليكانية (وكذلك لدى الفاتيكان). وفي إجابته عن السؤال ذكّر «صديق خان»، وهو من أصل باكستاني، المسؤولين في القصر الملكي بأنه مسلم، وبأنه يفضّل أن يُقسم على القرآن الكريم. لم تكن في القصر نسخة من القرآن، ولذا تأخرت مراسم القسم إلى أن قام أحد مساعدي «صديق خان» بالتوجه إلى بيته والإتيان بالمصحف الموجود فوق مكتبه.
وبعد انتهاء مراسم أداء القسم، أعاد المسؤولون في قصر باكنغهام النسخة القرآنية إلى «صدّيق خان»، ولكنه طلب الاحتفاظَ بها في القصر«لمناسبات أخرى». وبالفعل فقد توالت بعد ذلك مناسبات أخرى. ولا تزال تلك النسخة من المصحف محفوظة في القصر الملكي حتى اليوم.
في عام 1642 تمدّدت الإمبراطورية العثمانية نحو شرق وجنوب أوروبا، واصطدمت غرباً في البحر المتوسط بالأسطول البريطاني الذي جعل من جزيرة مالطا قاعدةً أساسيةً له. وتعرّفت أوروبا من خلال التمدّد العثماني على البنً، واستساغت القهوةَ التي لم تكن تعرفها من قبل. ولذا فقد ارتبطت القهوةُ بالعثمانيين.
وصلت القهوةُ إلى بريطانيا حيث لاقت إقبالاً واسعاً، إلا أنها «مشروب العدو». ولذا صدر عن رئيس أساقفة كانتربري تحريمٌ كنسيٌ للقهوة يقول إن مَن يشربها يُصاب بالهلوسة ويعتنق الإسلام! وتأكيداً لهذا الموقف الكنسي، صدر عن مجلس العموم البريطاني قانونٌ يمنع تداولَ البن والقهوة.
ومن هنا السؤالُ: كيف انتقلت بريطانيا مِن تحريم القهوة لأنها شراب يؤدي إلى الهلوسة واعتناق الإسلام، إلى انتخاب مسلم يُقسم على القرآن الكريم في قصر باكنغهام رئيساً لبلدية العاصمة لندن، مقرّ رئيس أساقفة كانتربري ومجلس العموم وقصر باكنغهام؟!
وتوجد في مكتبة جامعة «بيرمنغهام» نسخةٌ من القرآن الكريم يُعتقد أنها الأقدمُ في العالم. لم تكن الجامعة تعرف ذلك رغم أنها تحتفظ بهذه النسخة منذ عقود طويلة. وعندما زرتُ الجامعة محاضراً عرفتُ أن مؤسسَ شركة «كادبوري» للشوكولا كان مهتماً بجمع المخطوطات القديمة، وأنه طلب مِن مواطن عراقي (سرياني) أن يشتري له ما يمكن أن تصل إليه يداه من المخطوطات العربية. حدث ذلك في القرن التاسع عشر. وكانت هذه النسخةُ النادرةُ من القرآن الكريم واحدة من مخطوطات إسلامية نادرة تحتفظ بها مكتبة الجامعة.
في هذه المخطوطة، كما في نسخ القرآن الكريم كلها، تتردّد الآية الكريمة «لتجدنّ أقربهم مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون».
وهكذا وجد «صدّيق خان» الذي لجأت عائلتُه من باكستان، مودةً من كنيسة كانتربري ومن قصر باكنغهام حملته إلى الوزارة ثم إلى رئاسة بلدية لندن التي كانت عاصمة لدولة لا تغيب عنها الشمس.
اليوم تنبأت دراسة علمية أجرتها جامعة لندن بأن بريطانيا في عام 2045 سوف تصبح كالولايات المتحدة، أي متعددة الأعراق والألوان والأديان.
لم تبدأ رحلة التعدّد مع «صديق خان».. كانت مجرد محطة في طريق التحوّل الذي لا ينظر إليه جميع البريطانيين بارتياح واطمئنان. ومع ذلك، فقد نظروا إلى مقاعد مجلس العموم البريطاني، ورأوا أن شاغليها يعكسون بدايةَ رحلة التحوّل والتعدّد.
*كاتب لبناني
إقرأ المزيد


