جريدة الإتحاد - 11/6/2026 12:20:27 AM - GMT (+4 )

لم نعرفها إلا بهيئتها التي هي أقرب إلى الشيخوخة الصلبة أو امرأة خفيفة لحم عجوز، تسرح بغنيماتها كل صباح، تسكن في عريش من سعف النخل، يجاور سفح الجبل بالقرب من شجرة غاف تكبرها ربما بسنوات، مكانها واضح للعيان، ويقصدها المارون أو العابرون باتجاه عُمان أو الآتون لبيع منتجاتهم في سوق البريمي، عادة ما يزودونها بما تبقى من بضائعهم أو يجلبون لها أشياء تطلبها من مناطقهم، وأغلبها كانت أعواد شجر أو نبتة جبلية أو مما يباع في سوق مطرح من أدوية عشبية جلبها التجار من مناطقهم، وتعرفها بالاسم، مقابل ذلك تستضيفهم في فضاء ذاك السيح الوسيع، وتذبح لهم مما هرم من غنماتها، وتمدهم بأكل وقهوة وتمور قد تسعفهم في سلوك تلك الدروب الصخرية الوعرة حتى يصلوا قراهم، هكذا كانت «عشبة بنت الحاي»، يعرفها القاصي والداني، وتعرفها أم سبع البلادين كامرأة حارسة لوقتهم وحياتهم، وجزء من يومياتهم وحديثهم حين يفتك بشخص مرض أو عرض طارئ أو يتناقلون كيف أسعفت رجلاً قرصته عقرب أو لسعته حيّة أو طاح من نخلة و«ما في عينه قطرة».
كانت تصلي صلاتها، وتغبش من فجرها، صاعدة ذلك الجبل الأجرد مع أول خيوط ضوء الصبح، تحمل سلالاً من خوص النخل، وسكيناً صغيرة تظل تشحذها كل يوم، جامعة ما تيسر لها في طريقها من الأعشاب البرية أو النباتات الجبلية الملتصقة بتلك الصخور المسننة، ثم تعود بعد أن تطمئن على مرعى شويهاتها وغنيماتها، لتغسل ما جمعته وصرته في سلالها، لتنشره في مسطاحها وعلى حظر عريشها وتحت شمس تكاد أن تحرق عين الطير، منتظرة لأيام قد تمتد من ثلاثة إلى أسبوع، لتجمعه بعد تجفيفه ونخله وغربلته في أكياس قماشية تعرفها باللون أو في مكان ثابت في عقلها، وتستعيده بشم رائحته، تلك كانت علامات التعرف على أدويتها العشبية المنشورة والمبعثرة هنا وهناك.
«عشبة بنت الحاي»، والتي طعمت الحج والعمرة مرة واحدة، على غير ما حظي به أبوها الذي التصقت به صفة الحاج حتى عرف به، وأخفى اسمه الحقيقي، لم تكن تطلب من الناس والمتعالجين وقاصدينها في لحظة ضعفهم الإنساني مالاً، فقط كانت لا ترد أحداً، وتقبل ما يقدمون، ومما تجود به نخيلهم ومزارعهم وتربية بيوتهم من دواجن وعلف وحيوانات ومشتقاتها، وحيناً لما يأتيها قروي من مكان قصيّ، وتعرفه من رث ثيابه تقبل منه، ولو كانت حزمة حطب أو «يونية سخام» أو سعن خدمه بنفسه.
عاشت دهراً طويلاً، وحيدة مع أعشابها ونباتاتها وأسرارها، وفي أعقاب حرب بعيدة، ورسو سفن غريبة، ووصول «يواني» بضائع عانت كثيراً في مخازن سفن الخشب المسمرة باتجاه الريح، مع صراخ نفوس إنسانية اجتثت من مناطق بعيدة، جاء البلاء، ونقع الصائح: أن وباء حلّ بالبلاد، وأن هلاكاً وشيكاً سيصيب العباد! هي أيام وتساقطت جثث على مجرى الوادي، وبجانب النخل، وقرب شجرة رمث أو حنظل أو قبالة شجرة أشخر كانت تدمع ماءها الأبيض.
توافد الناس عند عريش «بنت الحاي» يريدون الخلاص والبعد عن الفزع، خرجت لهم وفي يدها قراطيس، وأكياس عشب و«غراش» شراب، وقالت لهم: «إذا لقيتموني فجر اليوم التالي، وأنا بخير، فالشر طار، وإنْ وجدتموني جثة بلا روح، فأسقوا مرضاكم سبع قطرات في اليوم، وعلى ثلاثة أيام توالي، ثم انقطعوا! وغسلوني بماء زمزم، مخزون في فخار جراري، وكفنوني بكفن موجود تحت سجادة صلاتي، وأدفنوني تحت ظل تلك الغافة القديمة.
يومها بكتها أم سبع البلادين، وسارت في قافلة نعشها، ودفنت في قصيدة، وتشافى الناس بعشبها وبنصيحتها!
إقرأ المزيد


