«طب الأشعة الجنائية» يستعرض تجربة حكومة أبوظبي
‎جريدة الإتحاد -

هزاع أبوالريش (أبوظبي)
في مسيرة العلوم، ثمة لحظات لا يكون فيها التطور مجرد انتقال من وسيلة إلى أخرى، وإنما يكون انتقالاً في طريقة التفكير ذاتها، من المألوف إلى الممكن، ومن حدود الواقع المحسوس إلى آفاق المعرفة التي تصنعها التقنية. وفي مثل هذه اللحظات، تولد الكتب التي لا تكتفي بتسجيل المعرفة القائمة، وإنما تحاول أن تستشرف ما ستؤول إليه المعرفة غداً.
ومن هذا الأفق، ضمن فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب 2026، والإصدارات التي صدرت حديثاً، يأتي كتاب «طب الأشعة الجنائية: نحو تشريح جنائي افتراضي ذكي» للمؤلف الدكتور محمد الشيراوي، عملٌ علمي طموح يطرق باباً بالغ الحداثة، ويضع القارئ عند نقطة التقاء علوم الطب الشرعي والأشعة والتشريح الافتراضي والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، في محاولة جادة لرسم ملامح مرحلة جديدة من مراحل البحث والكشف الجنائي.
لقد اختار المؤلف موضوعاً لا يزال يتشكل على تخوم المستقبل، وأدرك أن التحولات الكبرى في العلوم لا تبدأ دائماً من المختبرات وحدها، بل تبدأ كذلك من السؤال العلمي الجريء: ماذا لو أمكن أن نرى ما وراء الجسد دون أن نفتح الجسد؟ وماذا لو استطاعت الصورة الطبية أن تحمل من الأدلة ما يغني، في بعض الحالات، عن التدخل التقليدي؟ وماذا لو أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على قراءة آلاف التفاصيل التي قد لا تراها العين البشرية منفردة؟
هذه الأسئلة وغيرها هي التي تمنح هذا الكتاب خصوصيته، فهو لا يقدم التقنية باعتبارها بديلاً مطلقاً للخبرة الإنسانية، ولا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه نهاية الطريق، وإنما يضعه في موضعه الصحيح: أداة متقدمة في خدمة الإنسان، والعلم، والعدالة.
ومن هنا تبرز أهمية محاولة المؤلف تأصيل مفهوم «طب الأشعة الجنائية»، وتمييزه عن المصطلحات والمفاهيم المتقاربة، والانتقال منه إلى مفهوم التشريح الجنائي الافتراضي، ثم استشراف ما يمكن أن يتيحه الذكاء الاصطناعي من إمكانات للوصول إلى نموذج أكثر تطورًا وذكاءً في المستقبل.
ولا تكمن أهمية الكتاب في حداثة موضوعه فحسب، وإنما في اتساع زاوية النظر إليه، فالمؤلف لا يحصر المسألة في بعدها الطبي أو التقني، بل يضعها في إطار أوسع تتداخل فيه اعتبارات الشريعة والأخلاق والخصوصية والكرامة الإنسانية والمجتمع.
وهذا البعد تحديداً يمنح الكتاب قيمة استثنائية، لأن التعامل مع جثمان الإنسان ليس شأناً تقنياً محضاً، ولا يمكن أن تكون سرعة التطور العلمي مبرراً لتجاوز الاعتبارات الإنسانية الراسخة. ومن ثم، فإن البحث عن وسائل أكثر تقدماً وأقل تدخلاً ينبغي أن يسير جنباً إلى جنب مع احترام حرمة الإنسان، ومراعاة مشاعر أسرته، والالتزام بالضوابط الشرعية والأخلاقية والقانونية.
كما أن اختيار هذا الموضوع من بيئة إماراتية يحمل دلالة خاصة، فدولة الإمارات العربية المتحدة لم تجعل الابتكار عنواناً للتنمية فحسب، بل جعلت من المعرفة والتقنيات المتقدمة جزءًا من رؤيتها للمستقبل. ومن ثم يأتي هذا الكتاب ليشارك، من موقعه العلمي المتخصص، في حوار أوسع حول قدرة المؤسسات العلمية العربية على استيعاب التحولات العالمية والمساهمة في صناعتها.
إن الكتاب، في جوهره، لا يتحدث عن صورة الأشعة وحدها، ولا عن التشريح الافتراضي وحده، ولا عن الذكاء الاصطناعي وحده، وإنما يتحدث عن تحول في فلسفة الكشف الجنائي، وعن إمكانية أن تصبح المعرفة المستخرجة من الصورة الطبية جزءاً أكثر عمقاً في منظومة العدالة.
ذلك أن أعظم ما يمكن أن تقدمه التكنولوجيا ليس أن تحل محل الإنسان، وإنما أن تمنحه قدرة أكبر على الفهم، ودقة أعلى في التحليل، وخيارات أوسع في اتخاذ القرار، مع بقاء المسؤولية العلمية والمهنية والأخلاقية في يد الإنسان.
ومن هذه الرؤية تتجاوز قيمة الكتاب حدود تخصصه المباشر، فهو يخاطب الطبيب وأخصائي الأشعة والطبيب الشرعي والباحث ورجل القانون ودارس العلوم الشرعية، كما يخاطب كل قارئ معني بالسؤال الأكبر: كيف سيكون الطب الشرعي في عصر الذكاء الاصطناعي؟
ومما يعزز تميّز تجربة إمارة أبوظبي في تطبيق التشريح الرقمي (الافتراضي) وريادتها خلال جائحة كورونا، ما خلصت إليه إحدى دراسات المراجعة البحثية(1)، المنشورة ضمن إصدارات جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، من أن الدراسات المستوفية لمعايير المراجعة حول التشريح الرقمي (الافتراضي) في الشرق الأوسط، خلال الفترة من يونيو 2019 إلى أكتوبر 2021، انحصرت في أربع دول، من بينها دولة الإمارات العربية المتحدة.وتتفق هذه النتيجة مع دراسة سعودية أخرى(2)، أكدت محدودية انتشار هذه التقنية إقليمياً، مع توثيق التجربة الإماراتية ضمن تطبيقاتها في مجال الطب الشرعي.
وبناءً على ذلك، وفي نطاق الدراسات محل البحث، تُعد دولة الإمارات العربية المتحدة، الدولة العربية الوحيدة التي وثّقت لها الدراسات المنشورة تطبيق التشريح الرقمي (الافتراضي) في مجال التحقيقات الطبية القانونية المتعلقة بالوفاة، خلال تلك الجائحة.
ومن هنا نؤكد أن التطبيق المؤسسي لهذه المنظومة الرقمية في إمارة أبوظبي، يضيء أفق البحث العلمي المتخصص لدراسة الحجية القانونية للتشريح الرقمي (الافتراضي) والذكي في الإثبات الجنائي، في ظل التشريعات القانونية السارية في دولة الإمارات العربية المتحدة.

أخبار ذات صلة



إقرأ المزيد